fbpx

هدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون

بشروا ولا تنفروا

يحير الآباء فيما يخص أسلوبهم التربوي بين نهج العقاب ونهج المكافأة، في حين أنهم يستطيعون الجمع بينهما بسلاسة تامة دون إفراط ولا تفريط وعادة ما يكون هذا الدمج المعتدل والمتزن أنجع أسلوب من أجل بناء علاقة متينة بين الآباء وأبنائهم أساسها الاحترام والتقدير والحوار والتشجيع، ولا يخفى عنها الخوف من فقدان كل هذه الأمور التي يمكن أن تنقلب إلى عقوبات وتشنج ونفور، ويصعب معها تحقيق الأهداف المسطرة لهذه العلاقة.

نعم نستطيع أن نبني علاقة ذات ركيزتين أساسيتين: النعيم والشقاء وليس النعيم أو الشقاء… الاثنان معا دون أن يتجاوز أحدهما ركيزة حدود الآخر. ولنا في القصص من محيطنا القريب والبعيد تجارب ناجحة سهلت على أولياء الأمور مهمتهم واستطاعت فعلا أن تمنحنا جيلا مسؤولا وناجحا.

هذا الأسلوب لو اعتمده رجال الدين والدعاة والفقهاء والآباء والمدرسون في دعوتهم للمعروف لحققنا نتائج مبهرة، ولجعلت العبد فعلا قريبا من ربه طامعا في نعيم الجنة وخائفا من شقاء جهنم.

لقد تطرقنا في تدوينة سابقة لنقطة مهمة وهي خوف الناس من الموت خوفا من ملاقاة الله.. نعم، أستغرب كيف وصل بنا الحال إلى أن نخاف لقاء رب الجلال والإكرام رب العرش العظيم، مع أنه من المفروض أن نكون سعداء بذلك، فماذا يرجوا العبد في مشواره أكثر من لقاء خالقه؟! ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.

ولعل سبب هذا الخوف المزروع في قلوبنا عائد في نظري إلى الأسلوب الترهيبي المبالغ فيه والذي يعتمده بعض الفقهاء والدعاة، فهم يركزون على الجانب المظلم من الآخرة، يحدثون عن عذاب القبر ووحشته أكثر من حديثهم عن نعيمه وأنسته، يذكروننا بعذاب جهنم ورهيب الصراط المستقيم أكثر من ذكرهم لنعيم الجنة وشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته.

يعتقدون أن هذا الأسلوب الترهيبي والتخويفي من شأنه أن يدفع بالمسلم  إلى الاجتهاد في عبادته والالتزام بشعائر دينه، لكنهم يغفلون أمرا مهما وهو أنه أسلوب منفر وله آثار سلبية أكثر مما هي إيجابية على علاقة العبد بربه. فالتركيز المبالغ فيه على عذاب القبر وعذاب جهنم قد يكون له مفعول مخالف لما يعتقدونه؛ قد يتفكر الشخص مشواره الحافل بالمعاصي والذنوب ويظن أنها حتما ستضعه في صفوف المغضوب عليهم إلى يوم الدين، فيستسلم ويرى غفران الله له شيئا مستحيلا.

فلماذا يقل الحديث عن نعيم القبر ونعيم يوم اللقاء برب العرش العظيم؟ لماذا ينفروننا من يوم اللقاء ويشحنوننا برؤيتهم الضيقة والمظلمة للموت والقبر ويوم اللقاء؟

لماذا يذكروننا بأن الله هو الجبار، المهيمن، القهار، المذل، المنتقم، الضار، دون أن يذكروا أنه في المقابل هو الرحمان الرحيم، السلام، الحكم، العدل، اللطيف، الغفور، الكريم، الودود، التواب، العفو الرؤوف والنافع…. ؟ وتبقى أسماء الله الدالة على رحمته ولطفه بعباده هي الطاغية، وهذا إن دل فإنما يدل على أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأن رحمته إن شاء الله ستشملنا جميعا يوم اللقاء.

بشروا ولا تنفروا… وادعوا إلى الله بالتي هي أحسن.. ذكروا الناس بنعمه وفضله ليحبوه.. وذكروا الناس أيضا بعقابه حتى يخافوه أيضا، بلا إفراط و ا تفريط.. ويبقى الحب أقوى من الخوف وأبلغ!

يقول الله تعالى: {وَهُديٗ وَرَحْمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُومِنُونَۖ} (الآية 154 من سورة الانعام)

نؤمن بلقائك يا الله، نؤمن بعدلك وكرمك يا رب، نؤمن برحمتك ولطفك وهداك يا أرحم الراحمين!

هدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله