طلاق وتطليق

أرقام مهولة وواقع لا يليق

بحسرة وقلوب متألمة، عاينا جميعا تداول إحصائيات خطيرة تتعلق في فحواها بالعدد المهول لطلبات الطلاق والتطليق بعد أن فتحت صناديق المحاكم أبوابها أمام إمكانية وضع هذه الطلبات واستقبالها، سواء في المحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدار البيضاء، أو في باقي محاكم المملكة، بعد أن كانت مغلقة وهادئة، في هدوء سبق رياح العاصفة.

وبعد هذا الوباء اللعين (وأقصد هنا وباء هذه الإحصائيات المهولة) ترددتُ في الكتابة متحسرا لواقع الحال، لكن ضمير القلم قد استفاض متبصرا، وفطرة البشر قد استفاقت مجادلة، وإنسانية الصفة قد ثارت مناضلة، لعل مداد الحبر يكتب كلمات قد تساهم في الإنقاص من نتائج المآل في قادم الأيام، والله المستعان.

أيها الأفاضل، دعوني أتساءل معكم من القلب إلى القلب…
▪ أ نحن في وضعية عادية ؟
▪ هل نجح المشرع في الحفاظ على تماسك الأسرة ؟
▪ أ نحن فعلا أمام سياسة أسرية ناجحة ؟
▪ هل تلعب جلسات الصلح القضائية دورها اللازم كأصل؟

هي أسئلة ظاهرها استفهام وباطنها تقرير وتأكيد، في إطار ما يعرف في اللغة بالسؤال التقريري الجوابي (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ …) ففي باطنها النفي والجزم، نفي يخص عدم نجاحنا كمنظومة متماسكة في إيجاد حلول ناجعة، لتجنب الوقوع في المشكل كأصل، وفض المشكل بيسر كتَبعْ، والتبع يتصل بالأصل وجودا وعدما؛ فالمشكل قد يكون ناتجا عن أخطاء وتجاوزات فاضت معها الأحاسيس، ووصل معها الإنسان لمرحلة الغضب الأكبر، لكن التدخل الإيجابي وجب أن يتصف بالنجاعة بعد برودة الأعصاب، ورجوع الوعي الذاتي، والهدوء الجسدي والطمأنينة إلى نفوس الغاضبين.

إن قياس مدى نجاح و فشل مؤسسة الزواج لا يمكن معرفته أثناء السير العادي للحياة وما تفرزه من نتائج، بل إن النتيجة الحقيقية تظهر عند الوقوع في الأزمات، فهنا تظهر الأسلحة وفَعاليتها، وتقيّم الجدران وصلابتها، وتظهر المودة و مكانتها … “كوفيد 19 نموذجا”.

فالأصل في التزاوج الجمع الحَسن والذي نتتج عنه بالتبعية مجموعة من الفضائل، منها المودة والرحمة والتضامن والعفاف والسكينة…، قال الله سبحانه وتعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الآية 21 من سورة الروم).
فالمتفكرُ فينا إذن، سيعي تمام الوعي، أننا أمام ظاهرة خطيرة تتعلق بإشكال تكاد تجمع على سلبيته كل الحقول المعرفية والتخصصات العلمية والمناهج البحثية، فالطلاق في اللغة يعني رفع القيد والتخلية، وقد أدخله علماء اللغة في ما يسمى “بطالح الكلمات” لما يدل عليه من معنى سلبي، أما الطلاق في الإسلام، فقد ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن إيقاع الطلاق جائز شرعا، ولكن الأوْلى عدم ارتكابه، وأنه تعتريه الأحكام التكليفية الأربعة: الحرام والمكروه والواجب والمندوب، كما أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وهو حديث صحيح فيه ما فيه من درجات التراتبية.

وعن القانون، فقد حاول بدوره أن يكون موازيا لباقي المعارف بتتبعه لإجراءات الصلح وإلزاميتها وتأطير حالات العِدة وإمكانية الرجوع أثناءها، مستوحيا ذلك من الشريعة الإسلامية السمحة، إضافة إلى رفع التجريم عن بعض المعاملات المجرمة في أصلها وإعطاء التنازل دورا هاما في إسقاط الدعوى العمومية بين الأزواج، وغيرها من وسائل الحفاظ على التماسك الزوجي، فساواه القانون بالوفاة، فكلاهما أسباب لانحلال العلاقة الزوجية، الشيء الذي يوحي معه سلبية المصطلح عند المشرع قطعا.

أما من الناحية الاجتماعية، فغالبا ما ينتج الطلاق مظاهر اجتماعية خطيرة، كالفقر والتشرد والفساد وغيرها …
ولا يسعنا إلا أن نقترح بعض المقترحات، مناشدين بعض المؤسسات المتدخلة، لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا:

أيها السادة المحامون، أنتم جناح العدالة وقوامها، بمقالاتكم تبتدئ الخصومة بتوابعها، مكنكم الخالق من حسن الإقناع بلاغة وتعبيرا وتقديما، كيف لا والمحامي يولد من بطن أمه محاميا، سبق أن رافع من أجل خروجه للوجود، فحاوِلوا استحضار إنسانية المهنة والالتزام بعبارات القسم، وذلك عبر القيام بجلسات صلح أولية مع هؤلاء الأزواج، ومحاولة الإصلاح بينهم، واعتبروها جلسة صلح تستوي في قيمتها مع رسالة الصلح لشركات التأمين أو التظلمات الإدارية أو الإنذارات الكرائية، هذه الأخيرة ترتب عدم القبول شكلا، أما الأولى فترتب عدم القبول إنسانيا وأخلاقيا. فلنحاول إذن بذل الجهد اللازم للإصلاح، لما في ذلك من خير وصلاح.

ولا تفوتنا الفرصة والحالة هذه لكي نشير إلى مسألة في غاية الأهمية، تتعلق بإلزامية تنصيب المحامي في قضايا الطلاق والتطليق، وما قد يصحب ذلك من إمكانية محاولة الصلح وفض المشكل وديا وفق ما أشرنا إليه سابقا، والغريب هنا هو أن قانون المهنة لا يدخل حالات الطلاق والتطليق من ضمن المساطر المعفاة من إلزامية تنصيب المحامي، مما يستوجب بالتبعية حضور المحامي هناك كشرط صحة، لكن أغلب المحاكم تتجه حول السماح للأطراف بالتقاضي هناك من دون محامي، أساسهم في ذلك إما الفصل 45 من ق.م.م الذي لا علاقة له أصلا بإلزامية تنصيب المحامي من عدمه، أو إدخال ذلك ضمن الحالات التي تبث فيها المحكمة الابتدائية ابتدائيا وانتهائيا وفق المادة 32 من قانون مهنة المحاماة، غير أن قضايا الطلاق والتطليق لا يمكن إدخالها ضمن هذه الحالات لإمكانية استئنافها في الشق المتعلق بالنتائج المالية. فبالتطاول على التخصص نجني ثمار الفشل الفاحش، فماذا لو أخذنا العبرة من فقهائنا الأخيار، فلا يتجرأ الفقيه عن عمل المُحدِث، ولا يتجرأ المُحدِث عن عمل الفقيه؛ فيقوم المحدث بدوره وهو نصف البيان، ويقوم الفقيه بدوره وهو نصف البيان ليَصدر الحكم بكل إتقان، هو منهج لو نقلناه عن مُحدثينا وفُقهائِنا لنلنا السُمو في كل التخصصات، لكن للأسف … اختلط الحابل بالنابل فضعف المنتوج بالتبعية.

أيها السادة القضاة، قراراتكم بيان الحقيقة، تحوز الحجية كدفع، وتحوز القوة كأثر، أعطاكم القانون صلاحيات واسعة في الاقتناع والإقناع، تسهرون على التطبيق العادل للقانون، أملنا فيكم بإرجاع المعنى الصحيحي لجلسات الصلح و الحكمة منها، فهي مسطرة إلهية ربانية أكثر من كونها مسطرة قانونية مرتبطة بجزاء مسطري، قال تعالى في الآيى 35 من سورة النساء {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}.
كما أن التشدد في وسائل إثبات الضرر انبثق عنه حل التطليق للشقاق الذي يشكل نصيب الأسد في طلبات التطليق تلك.
فنأمل في تفعيل الصلح بمعناه اللغوي والمسطري والموضوعي، وإشراك مجموعة من المؤسسات المتدخلة التي لها من الموارد البشرية والمؤهلات العلمية والنفسية والخطابية ما يكفي لإصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر؛ من أطباء ومساعدين اجتماعيين ومجالس علمية وأطر تربوية وغيرها.

أيها المشرع، أنت تعلم لغة الإحصائيات وعلاقتها بالشيء المحصى، وتعلم جيدا نسبة التطليق للشقاق ضمن أعداد طلبات التطليق والطلاق، فأصبح الشقاق اليوم أساس من لا أساس له وصفة من لا صفة له، ومصلحة من لا مصلحة له، بل وأهلية من لا أهلية له، فأصبح انحلال العلاقة الزوجية بهذا الطريق مضمونا ومؤكدا لا يحتاج إلا لبعض الوقت وقليل من الإجراءات البسيطة، بل إن مدونة الأسرة كانت حريصة على عدم تجاوز أجل ستة أشهر كحد أقصى لمساطره من تاريخ الطلب، كما أن مجموعة من حالات التطليق الأخرى جعل المشرع أبرز نتيجة لعدم استطاعة إثباتها أو قيامها، حق المحكمة في التدخل التلقائي لتطليق الزوجين بسبب الشقاق، ناهيك عن حالة التعدد أمام إصرار الزوجة الأولى عن عدم التزوج عليها… وكأن المشرع يهيئ الحلبة بكل شروطها ومقوماتها وما على الزوجين إلا الدخول بلباس المشاكل الاجتماعية وقفازات العراقيل المالية، ليقعوا في محظور المساطر الجاهزة. فندعو المشرع إلى إعادة النظر في الترسانة القانونية المؤطرة للطلاق والتطليق كسببين لانحلال ميثاق الزوجية.

أخيرا أقول ما قاله الشافعي وقوله حكيم:

لما عفوت ولم أحقدْ على أحد * أرحتُ نفسي من هَمِّ العداواتِ
إِني أُحَيِّ عدوي عند رؤيتِه * لأدفعَ الشر عني بالتحياتِ
وأظهرُ البشر للإنسان أبغضه * كأنما قد حَشى قلبي محباتِ
الناسُ داءٌ ودواءُ الناس قُرْبُهم * وفي اعتزالهمُ قطعُ الموداتِ

طلاق وتطليق