الطبخ مهمة نسائية فقط أم فكرة إنسانية؟

الطبخ فكرة ساعدت الإنسان على بناء وتطوير حضارته

من بين الأسئلة التي لطالما راودتني وأثارت انتباهي وفضولي، عن كون الطبخ مهمة من مهمات الأم والزوجة على وجه الخصوص، والمرأة عموما، وليس مشتركًا بين كلا الجنسين. فلماذا يا ترى هذا التمييز؟ وما أهمية الطبخ الذي خلق هذا التمييز في بناء الحضارات وازدهارها؟

إجابة على السؤال الأول، وفي دراسة أجراها علماء الأنتروبولوجيا سنة 1973، وجدوا أن حوالي % 88 من المجتمعات تعتبر الطبخ مهمة المرأة وليس للرجل علاقة في ذلك. وهذا راجع بالخصوص إلى أن الإنسان الصياد في قديم العصور، كان عندما يطبخ فهو بالتالي يثير انتباه الناس من حوله، عبر الدخان المنبعث من حوله، الشيء الذي يجعل معظم الناس تهاجم بعضها البعض بحثا عن الأكل. لكن وفي إطار التصدي لهذه المعضلة، تم اللجوء إلى تقسيم الأدوار بين الرجال والنساء، بحيث أن الرجال سيحرصون نسائهم نظرا لقوتهم الجسمانية، بينما ستتكفل النساء بالطبخ. هذا ومع مرور العصور والأزمان حتى أصبح عرفا وعادة لدى معظم الشعوب.

لكن إذا أسقطنا سؤالنا هذا في عصرنا فلا وجود لمظاهر العنف تلك، بل حتى أنه هناك أنظمة مهمتها الحراسة وتوفير الأمن، فلماذا لا يتساوى الجنسان بخصوص ذلك؟ سؤال وجب إعادة النظر فيه، بل فهمه بهدف الإقتناع والامتثال له، وهذا ما سأتطرق له لاحقا في قادم المواضيع.

أما بخصوص الطبخ في حد ذاته، يقول الأستاذ الباحث بجامعة هارفارد “ريتشارد رانغام” في كتابه المعروف “Catching Fire” أن الجهاز الهضمي عند الإنسان مميز، لأنه الكائن الوحيد الذي يتوفر على جهاز هضمي مصمم للتعامل مع الأكل والوجبات المطبوخة، وهذا مايفسر أنه المخلوق الوحيد الذي يطبخ، على عكس بقية الحيوانات التي تعتمد على نظام غدائي نيء (غير مطبوخ).

كون الإنسان يطبخ وجباته قبل أكلها، جعله يهتم بأشياء كثيرة أخرى، مما أدى إلى المساهمة بشكل مباشر في تكاثره، بل وحتى جعله أذكى المخلوقات، الشئ الذي وفر له الوقت لبناء حضارته. فكيف يتم ذلك؟ وما علاقة طهي الوجبات بتكاثر الانسان على هذا الكوكب؟
إجابة على ذلك، وفي إحدى الدراسات التي أقيمت بألمانيا على مايقارب 513 شخص من ذوي النظام الغذائي “Raw-Foodists” أي الناس التي تأكل من% 70 إلى % 100 من الأكل النيء. فوجدوا أن % 50 من النساء التي تتبعن هذا النظام، توقفت دورتهم الشهرية بالكامل، إضافة إلى أن % 10 حصل عندهم خلل على مستواها. في المقابل، وعند الذكور، تمت ملاحظة أنهم يصبحون هادئين جنسيا، أو بمعنى آخر ظاهرة “الخمول” أي أن معدلات الخصوبة تقل بشكل كبير في كلا الصنفين، مما يؤثر بشكل مباشر على معدلات التكاثر.

وليس هذا فقط، فإذا دققنا أكثر على مستوى الجهاز الهضمي للإنسان، سنجد أنه صغير الحجم مقارنة مع بقية الحيوانات من نفس حجمه، مايتجسد جليا في فم الإنسان صغير الحجم مقارنة مع الشمبانزي الذي لديه القدرة على فتح فمه مرتين أكثر من الإنسان، بل وفكه القوي بكثير عن فك الإنسان الذي يعتبر عضلة ضعيفة مقارنة بأغلب الحيوانات. إضافة الى ذلك، فالثدييات من نفس حجم ووزن الإنسان تتوفر على معدة أكبر بثلاث مرات عن معدة الانسان. هذه الفوارق توضح مامدى جاهزية الجهاز الهضمي للإنسان للتعامل مع الأكل المطبوخ، والذي يعتبر مهضوما جزئيا بفعل الحرارة، عكس الحيوانات القادرة على هضم الأكل الغير المطبوخ والذي يتطلب جهدا وقوة أكبر لهضمه. يمكننا القول إذن، أن الطبخ عبارة عن تكنولوجيا يستعملها الإنسان لهضم الأكل جزئيا خارج جسمه، وهذا مايجعله يوفر طاقة أكثر للجسم.

ففي دراسة سنة 1995، تم استنتاج أن الجهاز الهضمي للإنسان يوفر له أكثر من % 10 من طاقته مقارنة مع الحيوانات ذات نفس الحجم. هذه الطاقة تخضع لعملية تدعى “Trads off” أي أن الجسم يقوم بتوجيه هذه الطاقة لأعضاء أخرى أهم بالنسبة له، وهنا نتحدث بالدرجة الأولى عن الدماغ الذي تْحوُل إليه أكثر من % 60 من هذه الطاقة الموفرة. هذا ماجعل الإنسان- وبشكل مباشر- أذكى وبالتالي أصبح قادرا على صناعة الحضارة الإنسانية.
بينما في الجانب الآخر، يجلس الشمبانزي مثلا لمدة ستة ساعات كاملة وهو يأكل، بينما تستغرق الباندا 16 ساعة في الأكل في كل يوم، الشئ الذي يفسر أن معظم الحيوانات هذفها في الحياة هو الأكل.على عكس الإنسان، وبفضل الطبخ، أصبح بإمكانه التفكير في أشياء أخرى تهم حياته ووجوده.

في النهاية، يمكن أن يعتبر كل واحد منا أن الطبخ فكرة عادية وبسيطة تهم النساء بالدرجة الأولى ولا يجب على الجميع الاهتمام بها، لكنها في الحقيقة فكرة عبقرية استطاع الإنسان من خلالها تطوير ذاته وكيانه وساهم عبرها في بناء حضارته وكذا تطويرها.

الطبخ مهمة نسائية فقط أم فكرة إنسانية؟