fbpx

عن الروحانية

سلسلة تأملات في الأدب والسينما

حينما شاهدت لأول مرة فيلم مارتن سكورسيزي Silence,2016 بعد قراءة رواية شوساكو إندو التي اقتبس عنها، أحسست باختلاف معالجته للظاهرة الدينية عن التناول الهوليودي المعهود.. فسكورسيزي كان كأنه يخاطب الله: “إلهي إلهي.. لماذا تخليت عني!”؛ ذلك النقد “المسيحي” الشجاع، بخلاف أغلب أفلام هوليود التي تقدم موقفها من الدين بصورة سخيفة: البطل المتأكد من قراراته وأفكاره والذي لا يأبه للتدخل الإلهي أو العكس تماما.. ففي هذا الفيلم/الرواية جرعة هائلة من التذمر الإنساني من أفعال الإله بهذه الكائنات اليتيمة.

بل إن تصور سكورسيزي للدين هنا مختلف تماما عن سينما التاريخ الديني التي تحكي القصة كما وقعت (الرسالة مثلا)؛ فالدين في هذا الفيلم –كما في رواية شوساكو إندو – هو نفسه بين مختلف الثقافات.. حيت البطل المبحوث عنه (الكاهن فريرا الذي أدى باقتدار دوره الممثل Liam Neeson) من أجل إنقاذه، كان قد توصل، بعد معاناة فكرية وجسدية مريرة، إلى أن الدين يخضع للمعايير الثقافية.. فقد وجد الله/المخلص في الديانة البوذية على الطريقة اليابانية بعيدا عن التصور الشعائري المسيحي المعروف؛ وهو التصور الذي يجادل من أجله عدد من المتخصصين في الدراسات الثقافية للدين كمالوري ناي في كتابه الدين الأسس. وهو ما ذكرني بفيلم سكورسيزي الديني الآخر The Last Temptation of Christ,1988 الذي اقتبسه عن رواية العبقري نيكوس كازانتزاكيس وقدم فيه قصة بديلة عن قصة المسيح المعهودة: قصة بحس إنساني حقيقي. إذ يتخيل الجزء الأكبر من الفيلم استسلام السيد المسيح لإغواء أخير فيكّون أسرة ويعيش مثل أي فلاح فلسطيني بسيط متخليا عن دوره الأساسي في تخليص البشر.
يفتح الفيلم بذلك نافذة على الجانب الإنساني لشخص المسيح، الجانب الذي لطالما تصدت الكنيسة لإخفائه، وهو ما سبب منعه في كثير من البلدان.. وربما هو السبب نفسه في منع كثير من الأفلام الإيرانية في بقية البلدان الإسلامية، والعكس.

وإذا كان هذا تصور روائي مسيحي: شوساكو إندو، وروائي ذي خلفية مسيحية عميقة: نيكوس كازانتزاكيس، كما يحكي في سيرته الذاتية: تقرير إلى غريكو، ومارتن سكورسيزي المخرج الكاثوليكي الذي كان يأمل أن ينتمي إلى سلك الكهنوت. فالتصور الذي يقدمه مخرج “ملحد” مثل بيير باولو بازوليني في فيلمه الذي أثار واحدا من أكبر الجدالات السينمائية في القرن العشرين: The Gospel According to St. Matthew,1964 ليس بعيدا عن التصور السابق. بل ربما كان أكثر “تقديسا” لشخص المسيح، وقربا من المسرود الديني (إنجيل متى)، مع واقعية أكثر: من لون بشرة المسيح في الفيلم إلى التناول “الأرضي/الماركسي” للمسرود الديني. لا يمكن لعاشق للسينما إلا أن يثني على عبقرية سكورسيزي وبازوليني الاستثنائية، لكني أنحاز شخصيا إلى تناول مختلف للدين، مثّله ثلاثة من أعظم المخرجين على مستوى العالم: الفرنسي Robert Bresson والسويدي Ingmar Bergman والمخرج الأعظم على الإطلاق الروسي Andreï Tarkovski. اشتهر Bresson بروحانيته المفرطة واستدماجه للقيم المسيحية، والتي تجسدت في كل أفلامه وبشكل خاص في فيلم Un condamné à mort s’est échappé, 1956 الذي جسد فكرة الخلاص البشري في الحرية دون تناقض مع مفهوم الخلاص المسيحي، اعتمادا على محكيّ العسكري والمقاوم الفرنسي André Devigny الذي نشره في كتاب بنفس العنوان. وبرزت روحانية Bresson بشكل مثالي في فيلمه Journal d’un curé de campagne, 1951 الذي جسد الرحلة المأساوية لكاهن شاب وصراعه مع جسده ومع المجتمع. وقد مثل بروسون تلك الروحانية بمجموعة تقنيات أهمها التقشف المفرط في الأدوات السينمائية العادية كالحوار أو الخلفيات الموسيقية التي يعبر دائما عن عدم حاجته إليها: “لا داعي لموسيقى مرافقة، مساندة أو داعمة. لا داعي لموسيقى البتة”.

يقول جان ماري غوستاف لوكليزيو الحائز جائزة نوبل للآداب: “في تقشّف هذه الكلمات وحيائها، نشعر بميله إلى الحقيقة، وبهاجس الكمال لديه، كما ندرك مدى معركته المتواصلة في مواجهة التسويات والابتذال، وسلطة المال.” (مقدمة لوكليزيو لكتاب بروسون “مدونات حول السينماتوغراف” الصدار عن دار الجديد). أما السويدي Bergman فقد اشتهر بتناوله للدين بشكل مختلف، فهو كرجل غير متدين بالمعنى التقليدي، كان أشد روحانية من كل الذين عالجوا المعطى الديني (باستثناء Tarkovski بالطبع!)، فالرجل لم يتناول الدين تقريبا في فيلم خاص، لكنه أسبغ على جميع أفلامه صبغة روحية لا تخطئها العين. وتجلى ذلك بشكل كبير في فيلمه العظيم 1969 The Seventh Seal، الذي يعتبر واحدا من أعظم الأفلام على مدى التاريخ. وهو فيلم يحكي قصة فارس التقى الموت وجها لوجه بعد عودته من الحروب الصليبية، ليدخل معه في رهان بمباراة شطرنج. لم يكن الرهان من أجل الاستمتاع بالحياة، فهي مصورة بشكل قبيح في الفيلم، وإنما لمزيد من المعرفة واكتشاف الأسرار.


في الفيلم تناول فلسفي للموت والحياة والمآسي الصغرى التي يعيشها كل واحد منا. وهو التصور نفسه الذي يقدمه Bergman في أغلب أفلامه. أما المخرج الثالث (وهو الأعظم في نظري على الأقل) الذي قدم سينما روحانية مذهلة فهو Tarkovski إله السينما الشاعرية.. حيث تناول القضايا الروحية في ظل حكم الشيوعية واخترق بروباغانداها المادية بثمانية تحف فنية لا غنى للمشاهد عنها. لم يكن تناول Tarkovski للقضية الدينية مباشرا، بل لم يخصص فيلما واحدا لأي شكل من أشكال التدين، وإنما عوّل، مستعينا غالبا بشعر والده الشاعر الروسي العظيم Arseny Tarkovski، على حساسيته الشاعرية ليرسم ملامح تجربة روحانية لا مثيل لها في تاريخ السينما. لا يكفي هنا مثال واحد، ولكن أبرز مثال هو فيلم تاركوفسكي الأعظم على الإطلاق Zerkalo, 1975، والذي يلخص تجربة الرجل الحياتية بشكل مذهل، انطلاقا من كونه سيرة ذاتية متعددة الطبقات بشاعرية روحانية لم يسبق لي أن شاهدت مثلها.كان يمكن أن أتحدث أيضا عن فيلميه The Sacrifice أو Andrei Rublev لكن بالنسبة لي على الأقل، في المرآة بلغ تاركوفسكي قمة الروحانية.

وللقارئ أن يسائلني لم كل هذا الإعجاب بأفلام تاركوفسكي، وهو تساؤل منصف. إذ نعلم جميعا أن السينما العالمية حبلى بعشرات المخرجين ذوي الصيت والأثر البارزيْن، وسيكون لزاما علي أن أخبره بالخبر كما عشته. (وقبل أن أحكي تلك القصة أشير إلى أنني سأخصص قريبا مقالا لتحليل سينما تاركوفسكي) اكتشفت بالصدفة أفلام Bergman وشاهدت أغلبها في سنة كئيبة، وبسبب ذهولي أمام اختلاف سينما هذا المخرج العبقري عن كل ما سبق وشاهدت، قمت ببحث مطول عن حواراته على الأنترنت وقرأت سيرته الذاتية المترجمة إلى العربية تحت عنوان: المصباح السحري (ترجمة باسل الخطيب عن منشورات وزارة الثقافة السورية 2007)، لأكتشف أن Bergman نفسه قد وقف مندهشا حينما شاهد أول أفلام العبقري Tarkovski، الذي لم أكن قد سمعت به آنذاك. وعند مشاهدتي لكل أفلام الرجل في ثلاثة أيام متتابعة إن لم تخني الذاكرة، عرفت أنني لن أستطيع أن أخرج من الدهشة الأولى التي زرعها أول فيلم شاهدته له: Zerkalo, 1975.. وعلمت أنه سيكون دائما أعظم صانع أفلام على الإطلاق..

أستحضر الآن عشرات الأفلام التي يمكن أن تندرج ضمن قائمة السينما الروحانية، أو التي عالجت قضايا الدين بشكل جزئي أو عام، ابتداء من التحفة الألمانية الصامتة The Passion of Joan of Arc, 1928، ومرورا بالتناول الجزئي للظاهرة الدينية في فيلم Pulp Fiction, 1994 لمخرج الأقدام Quentin Tarantino، ووصولا إلى تحفة المخرج الكوري الجنوبي Kim Ki-duk الأهم بالنسبة لي: Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring, 2003، وليس انتهاء بالكوميديا الهندية PK, 2014.. وهي كلها بالطبع أفلام عظيمة بدرجات، لكن تناول تاركوفسكي للروحانية جعلني أكاد لا أعجب بغير طريقته في معالجتها. تماما مثلما وقع لي عند قراءتي للسيرة الفكرية للروائي اليوناني نيكوس كازانتزيكوس: تقرير إلى غريكو. فكل السير التي قرأت بعدها كانت توضع في منافسة غير عادلة مع تلك السيرة الخالدة.

عن الروحانية