هل ينحو المغرب منحى التطبيع مع العنف ؟

يبدو أن المواطن المغربي قد اعتاد سماعَ أخبار اختطافٍ واغتصاب وقتل بشكل مستمر، وربما قوّى جهازه المناعي للحيلولة دون أن يهتزّ كيانه لسماعه أخباراً من هذا النوع، فبات بالنسبة له من العادي أن تُتداول قصص اغتصاب انتهت بوفاة الضحية، ولمَ لا أن يشارك الفيديوهات الموثقة للجريمة عبر تطبيقات الدردشة “واتسآب” و”ميسنجر”، فالأخبار التي تقتصر على سرد خبر وقصة اغتصاب أو قتل أحدهم أضحت “كليشيهاً” متجاوزا، وحدها الفيديوهات قادرةٌ بالكاد على خلق “وشوشة” مجتمعية ليس إلّا.

صيفٌ مُفجع 

 03 يوليو-تموز، اغتصاب جماعي في حق نادلة مقهى بقرية عين تاوجطات؛ 

09 يوليو-تموز، مقتل شابين بالرصاص الحي على يد شرطي؛  

11 يوليو-تموز، اغتصاب وقتل طفل ذو ثمان سنوات بمدينة مكناس؛ 

15 يوليو-تموز، تسريب فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي يوثق اغتصابا وحشياً لشابة في ربيعها الثالث قبل أن توافيها المَنيّة؛ 

21 يوليو-تموز، خبر اغتصاب وإضرام النار في جسد شابة؛

23 يوليو-تموز، اغتصاب أربعيني لشاب معاق ذهنيا بمنطقة أيت أورير نواحي مراكش؛ 

30 يوليو-تموز، اغتصاب مسنة في عقدها الثامن بمدينة مكناس.

رغم بشاعة الجرائم المذكورة إلّا أن حادثة مقتل الشابيْن بالرصاص الحي وجريمة الـ15 من تموز وحدها فقط، نالت تغطية إعلامية وخلقت “وَشْوَشة” مجتمعية لأيام؛ بسبب توفر فيديوهات موثّقة؛ قبل أن يبتلعَها النسيان.

سِجال مجتمعي

في الوقت الذي وجب على المجتمع المغربي -بكافة مكوناته- أن يناقش ويطرح حلولاً جذرية للحد من حالات العنف والاغتصاب، حُصِرَ النقاش في شقيْن: إصدار الأحكام والمطالبة بالإعدام.
بمجرد أن سُرّب فيديو احتجاز واغتصاب الشابة “حنان” بتاريخ 15 من يوليو-تموز حتى بدأ البعض يشمِتُ فيها، وبدأ السجال بين رواد موقعيْ “فيسبوك ويوتوب” حول حقيقة ما جرى وطبيعة العلاقة بين الشابة ومغتصِبها. قبل أن يكثر القيل والقال حول امتهانها الدعارة في إحدى فترات حياتها قبل قرارها العدول عن الأمر. “تْسْتَهلْ هي اللّي مشات معاه”، “كانت مْصاحبة مْعاه”، “لو كانت بْنت دارهم مايوقعش ليها هادشي”.. جملة من التعليقات المُهينة في حق حنان، قراءتُها أشد وطأة من مشاهدة الفيديو، تحمل في طياتها قرونا من الجهل والذكورية المفرطة المتجذرة بعمق في ثنايا لاوْعْيِنا، تحاول بأي وسيلة كانت، تغيير الأدوار وجعل الضحية مذنبة؛ وكأن التعرض للاغتصاب أو التحرش أو التعنيف حِكر على ممتهنات الدعارة فقط، ومن حق الرجل أن يمارس ساديته على خليلته.
وبدل الترحم على روح حنان الطاهرة فضّلتْ عينة من النساء الشّماتة بها. نعم تلك التعليقات المسيئة رَقَنَتْها أناملُ نِسوية لتكشف عن مستوى الانحطاط والدُنُوّ الذي انغمست فيه قيَمُنا، وعن مدى تعطشنا لتأمل العنف وممارسة العنف بغض النظر عن طبيعته أو شكله، إن لم يكن ممثّلًا في مشاهدة وتداول فيديوهات اغتصاب النساء والإدلاء بتعليقات مسيئة، فهو حتما المطالبة بتطبيق حكم الإعدام.
منذ ما يزيد عن 25 عاماً، لم تطبق عقوبة الإعدام في المغرب؛ رغم أن المحاكم ما زالت تنطق بها؛ إذ قبل أسابيع قليلة صَدر حكم الإعدام في حق المتهمين بجرائم تعذيب واغتصاب وقتل السائحتين الإسكندينافيتين بمنطقة “شمهروش” ضواحي مراكش، خلال شهر ديسمبر-كانون الأول من العام الماضي.
بدَل البحث في أصل المعضلة، نخلق الجدل من أسباب واهية كي نطيل الحديث في أمور هامشية. بمجرد أن يُسرب شريط يوثق مقتل أو اغتصاب مواطن ننتحب، نستنكر، نندد ومن ثم نستكين؛ وكأنّ شيئا لم يقع، لنطبِّع رسمياً مع العنف.

ماذا حلّ بقِيَمنا لنُطبّع مع العنف ؟

لماذا قد يفاجئنا تزايد معدل العنف في المغرب وكل الأسباب واضحة وضوح الشمس، لتكشف عن أسباب قبولنا وممارستنا العنف. ومثلما لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال فلا يمكن إخفاء أسباب انحدارنا القيمي بطرح حلول ترقيعية جاهزة، مثل الإعدام.
التقارير الرسمية وغيرُ الرسمية تشير باستمرار إلى أن 40 في المائة من المغاربة يعانون أمراض نفسية أو عقلية وأن رُبُعهم مكتئب، في حين عدد المصابين بانفصام الشخصية يصل إلى 350 ألف مصاب، أي ما يعادل نسبة 1 في المائة. وحسب وزارة الصحة، فإن المغرب لا يتوفر إلا على 2238 سريراً مخصصا للمرضى النفسيين، أي ما يُمثل 0.67 سرير لكل 10 آلاف نسمة، كما أن المملكة تتوفر على 290 طبيبا نفسيا فقط!
الإعلام، بدوره، مسؤولٌ عن تفشي العنف والتطبيع معه؛ لسنواتٍ عديدة  بَثّتِ القنوات المغربية برامج وثائقية ومسلسلات درامية خاصة بأشهر الملفات الإجرامية كبرنامج “أخطر المجرمين”، “مسرح الجريمة” و”مداولة”، برامجٌ بُثّت في أوقات الذروة.
حواليْ خَمْس ملايين مشاهد تابعوا الحلقة الأولى من برنامج “أخطر المجرمين” بتاريخ الـ25 من يناير-كانون الثاني 2011، ليستمر عرضه لسنوات متبوئاً الرتبة السابعة كأكثر إنتاج تلفزي مشاهدة على القناة الثانية (2M) لسنة 2013، قبل أن يتقرر إيقاف عرضه في وقت متأخر كما هو الشأن بالنسبة لبرنامج “مسرح الجريمة”.
وقد احتلت جرائم القتل الحيز الأكبر من عدد القضايا التي تناولتها البرامج التي تتخذ من الجريمة موضوعا لها على القنوات العمومية بنسبٍ تصل إلى حدود 20 في المائة، تليها جرائم الاغتصاب وجرائم الاختطاف.
كبديلٍ لهذه الإنتاجات، بات المواطن المغربي مدمناً على متابعة المسلسلات التركية الرديئة منها والمدبلجة للدارجة، مسلسلاتٌ رسخت صوراً نمطية عن المرأة باعتبارها كائنا مغلوباً على أمره؛ ما يجعل منها محور الصراع والحبكة الدرامية وهدفا للتَمَلُّك من قبل الرجل بأي طريقة كانت. في النهاية تسعى هذه الأعمال للترويج لمفهوم خاطئ عن الحب وقيم الاحترام. 
مسلسلاتٌ تركية، بعضُها تجاوزَ عتبة الـ1700 حلقة، عُرضت على مدى 8 سنوات، محققة نِسَبَ مشاهدة بلغت، أحيانا، معدل ثمانية ملايين مشاهد. فكيف لقيم المجتمع المغربي أن لا تتغير بفعل ما يبثه الإعلام؟! والأنكى من كل هذا، هو إدمان الأطفال متابعة كل يبث على القنوات، بسبب ضعف الإنتاجات المخصصة لهاته الفئة من الجمهور؛ فبحسب تقرير نشرته الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، فإن الأطفال يشكلون 20 بالمائة من متابعي البرامج التي اتخذت من الجريمة موضوعاً لها. 

الانحدارُ الذي أصاب قيمنا ومبادئنا بِتْنا نلمَسُه في حياتنا اليومية، فأصبح من العادي أن تشتهرَ مدينة سلا كما فاس بحاضِرِهِما الإجرامي أكثر من ماضِيهما العريق!

في الوقت الذي يُنظَر فيه لعمل الجمعيات الحقوقية على المطالبة بحماية والتأكيد على احترام حقوق الإنسان، باعتباره شكلا من أشكال التّرف، وبالنظر إلى تقصير وزارة الصحة في توفير مصحات وموارد بشرية لمتابعة وعلاج المرضى النفسيين والعقليين إلى جانب شح البرامج الموجهة للفئة الناشئة في الإعلام المغربي، علاوة على تداعي دور الأسرة والمدرسة وغياب الوعي باستعمالات الهاتف والأنترنيت، فلا يحق لأحد أن يستنكرَ أو يندّد كلما عُذب أو اغتُصب أو تم قتل مواطن. ولا يحق لأحد المطالبة بتطبيق الإعدام.. يكفي أننا أعدَمَنا صحتنا العقلية والنفسية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *