أحزاب الحركة الوطنية: قراءة تركيبية في النشأة، رهان الدمقرطة وتحديات الواقع _1_

تمهيد  

إنّ الحديث عن موضوع الأحزاب السياسية المغربية يتطلب منا الرجوع إلى أصل هذه الظاهرة السياسية في السياق الذي وُجدت فيه، عبر تقديم كل ما يتعلق بالتأصيل النظري من التعريف إلى الوظائف والأهداف مرورا بالنشأة والتصنيفات.

لغوياً، يعني الحزب جماعة الناس، وكل قومٍ تشاكَلَتْ قلوبهم وأعمالهم(1)، أما من الناحية الاصطلاحية، فقد تعددت التعريفات بين المفكرين السياسيّين والفقهاء القانونيين، وهو اختلافٌ يرجع إلى تبايُن الإيديولوجيات وإلى اختلاف زاوية النظر؛ فنجد جورج بيردو G.BURDEAU يُعرّف الحزب السياسي على أنه كل تجمُّع بين الأشخاص يؤمنون ببعض الأفكار السياسية ويعملون على انتصارها وتحقيقها، وذلك بجمع أكبر عدد ممكن من المواطنين حولها والسعي للوصول إلى السلطة أو على الأقل التأثير في قرارات السلطة الحاكمة. بينما يعرّفه أندريه هوريو ANDRE HAURIOU وجون جيكال JEAN GIQUEL على أنه تنظيم دائم يتحرك على مستوى وطني ومحلي من أجل الحصول على الدعم الشعبي، ويهدف للوصول إلى ممارسة السلطة بغية تحقيق سياسة معينة. في حين يعرف الفكر الماركسي الحزب السياسي بأنه  تنظيم يوحّدُ الممثلين الأكثر نشاطاً بطبقة معينة، ويعبّر عن مصالحها ويقودها في الصراع الطبقي.
من هذه التعريفات، يمكن لنا أن نسجّل العناصر الأساسية المكونة للحزب السياسي وهي التنظيم المستمر، البرنامج السياسي، الوصول إلى السلطة وممارستها ثم المساندة الشعبية، وهناك من يضيف الأسلوب الديمقراطي.
ويقسّم موريس دوفرجيه MAURICE DEVERGY الأحزاب السياسية إلى نوعين (2):
1- أحزاب الأطر أو كبار الموظفين (أو الأعيان)، وتصبو هذه الأحزاب إلى جمع الوُجَهاء، إذ يهمُّها النوعية أكثر من الكَـمّ، ويبحث عن هؤلاء الوجهاء إما بسبب اعتبارهم الذي يوفر نفوذا معنويا وإما بسبب ثروتهم التي تسمح بتغطية نفقات الحملات الانتخابية. وهي إما أحزاب ليبيرالية تمثل الطبقة البورجوازية أو أحزاب محافظة تمثل الأرستقراطية مما يوحي بتطابق هذه الأحزاب مع بنية الدولة الليبيرالية للقرن التاسع عشر(3).
2- الأحزاب الجماهيرية أو أحزاب المناضلين، وهي لا تولي اهتماماً للمكانة الاجتماعية التي يحتلها المُنتَمون إليها، بل ما يشغلها هو الحصول على أكبر عدد ممكن من الأفراد الذين يؤمنون بأفكارها. وقد ابتكرت هذه الأحزاب داخل المنظومة الاشتراكية، وتتعدد أمثلة هذه الأحزاب؛ فهناك النموذج الاشتراكي والنموذج الشيوعي والنموذج الفاشي …
أما عن نشأة الأحزاب، فيرى البعض أنها وُلدت في بريطانيا في إطار النظام التمثيلي القائم على تفاعل النواب مع الحكومة واختلافهم مع سياساتها، حيث اجتمعوا تحت إطار كل من الويكز (whigs) أو التوري(tory (4، فيما يرى البعض الآخر أن نشأتها كانت في الولايات المتحدة الأمريكية (5)، إلّا أنه من المعلوم أن هذه الأحزاب لم تكن سابقة في وجودها عن النظام التمثيلي، بل إنها وجدت إثر التئام الكتل البرلمانية مع اللجان الانتخابية؛ إذ وجَد البرلمانيون أنفسهم في الحاجة إلى التكتل من أجل تنسيق أعمالهم، خاصة بين الذين يحملون التطلعات نفسها.
من هنا ظهرت التكتلات النيابية، هذه الأخيرة كانت تعتمد في تدبير حملاتها الانتخابية على لجان تسمى بـ”اللجان الانتخابية”. إنّ الاندماج الحاصل بين هذه اللجن والكتل النيابية هو الذي أفرز ما يسمى حالياً بـ”الحزب السياسي”. وتمثل الأحزاب المشكَّلة بهذه الطريقة الموجة الأولى من الأحزاب السياسية، في حين تتمثل الموجة الثانية في قيام مجموعة من النقابات بتشكيل أحزاب سياسية تدافع عن مصالحها أو تحول بعضها إلى أحزاب سياسية بشكل مباشر، وتدخل في هذه الموجة أيضا الحركات الدينية التي انتهجت الأسلوب ذاتَه.
أما الأحزاب السياسية في الدول المستعمَرة، فقد ارتبطت نشأتها بالنضال من أجل نيل استقلال بلدانها، ونشأت الأحزاب المغربية من هذه الضرورة الوطنية معلِنةً النضال ضد المستعمر الفرنسي والإسباني بالتعبئة من أجل التحرر واسترداد السيادة الوطنية، وقد تحالفت مع العرش من أجل تحقيق هذا الاستقلال، مما جعل الطرفين يشتركان في الشرعية التاريخية والوطنية في استقلال المغرب عام 1956.
وقبل الاستقلال، لم تدخل أحزاب الحركة الوطنية في مشروع ما بعد الاستقلال، لذلك كان عصيّاً على النخبة الوطنية التي وحَّدَها النضال ضد الاستعمار أن تظل متماسكة ومنسجمة لحظة التفكير في صياغة مشروع بناء المغرب المستقل؛ مما سبّب الصراع حول السلطة بين هذه الأحزاب وبين المؤسسة الملكية، هذا الصراع شكّلَ أبرز معالم الحياة السياسية المغربية. للسبب ذاته، أيضاً، برزت الخلافات بين أحزاب الحركة الوطنية نفسها، بل تجاوز الأمر ذلك إلى الخلافات الداخلية في صفوفها ممّا عرّضَها للانشقاقات، هذه الأخيرة تعدّ سِمة بارزة في الحياة الحزبية المغربية.

الهوامش والمراجع

1. لسان العرب ، ابن منظور المجلد الأول دار صادر ،بيروت ص 308 .
2. موريس دوفرجيه: المؤسسات السياسية والقانون
الدستوري، الأنظمة الدستورية الكبرى  ص70.
3. موريس دوفرجيه: مرجع نفسه ص 72.
4. المهدي الشيباني دغمان، الأحزاب السياسية
“إلتفاتة سوسيولوجية” المجلة الجامعة، العدد 16 المجلد الأول، فبراير
2014، ص 9.
5. أنظر في هذا الصدد كتاب موريس دوفرجيه الأحزاب السياسية  ص 6.
 
(يُـتـبع)
رابط الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *