تبرّع بقلبه وهو حيّ!

نحن الآن في لحظات مليئة بالصمت والألم، مكان لا يخلو من العواطف والتعاطف، إنّه المستشفى الجامعي، حيث كل المرضى يلجؤون إلى العلاج في المنشآت الحكومية نظراً لضعف ذات اليد.
صديقنا الوفيّ اليوم له حكاية حكيمة أخرى، اليومَ يومُ زيارة مريض، اعتزم صباح الجمعة أن يزور خالته ويطمئن على حالها، إنها تعاني مع المرض سنوات، كلما قابلت زائرا تدعوه أن يدعوا الله ليخلصها من الألم بأي قدر ممكن، لأن كل الأقدار جيدة والحمدلله..
نسيتُ أنْ أقدّم لكم شخصيتنا الافتراضية باسمه؛ “طارق”، طالب جامعي بسيط، اجتماعي، يجيد أسلوب الحوار، يحب خالته كثيرا؛ إنها قدوة بالنسبة له، صامدة شامخة بإيمانها القوي. مِن عادته أن يشتري باقة ورد ليدخل البهجة والسرور إلى الغرفة، لكن اليوم له شعور مختلف عن المعتاد يشعر بخطب ما، بدأت خطواته بالتسارع لم يستوعب كيف همت به الخطوات حتى وجد نفسه أمام أبواب المستشفى، ليقف في دهشة و حواسه تستقر تدريجيا ليسمع صوت صافرة إسعاف مسرعة ، امتلأت البوابة واكتظّتْ بأسرة المصاب، لم يجد فجوة ليمُرّ من بينهم فاضطرّ للوقوف منتظراً وكل ما يجول في تفكيره سلامة خالته فاطمة.
وهو شارد الذهن يحاول استيعاب الأحداث التي تتالتْ بسرعة، فتح المُسعفون باب السيارة لتواجهه صدمة أخرى كاد أن يسقط خائر القُوى لولا استعاذتُه من الشيطان واستعانته بالله، طفل رضيع لا يتجاوز عمره عدة أيام، أمه في مقتبل العمر شاحبة اللون خائفة لدرجة الفزع، عيناها الكبيرتان ممتلئتان بالألم والأسى، لونها أصبح كلون الدم من كثرة ذرف الدمع، خرجت جملة من المُسعفات ونقلن الصبي إلى غرفة المستعجلات، هدأت الأجواء قليلا وخفّ الازدحام، لينطلق “طارق” مسرعاً كالبرق اتجاه غرفة خالته فاطمة ليطمأن عليها، أفكاره مشوشة ومشاعره هائجة كأن الشرارة تتطاير من معدن قلبه، يتفحّص الأروقة بتمعُن وكل الأشخاص الموجودين. وهو في طريقه، اقتحم الغرفة كالثور وعيناه مفتوحة إلى الآخر، لينظر إلى السرير المخصص لخالته ليجدها في انتظاره بابتسامة بيضاء قائلة: “كنت على علم بمجيئك”، ارتمى في أحضانها يقبّل يداها ورأسها، سالت دموعه فرحاً بسلامتها قبل أن يتفقّد كل تفاصيلها ليتأكد بأنها على ما يرام، تبادَلا الحديث، ألقى التحية على الجميع واعتذر عن حالته الهستيرية تلك..
بعد ذلك بقليل سمع صرخة أصابتْ بدنه بالقشعريرة، خرج مسرعاً ناحية مكان الصوت ليواجه الأسوء؛ أمُّ الرضيع ساقطة أرضاً في منظرٍ كئيبٍ يقتُل السعادة وينذر بالموت، فقدت الوعي هي وأهلها، وزوجها… الكل يبكي وينوح. “طارق” لم يهنأ له البال حتى قصد وجهة الطبيب ليَسْتفسره عن حالة الطفل، أجاب الطبيب “عمر” قائلا: ” إن الرضيع له قلب ضعيف وله فصيلة دم نادرة، إنْ لم تنجح عملية الأنابيب لن يعيش بعد اليوم وإنْ نجحت سيكون له في العمر أجل لسنين فقط”.
تحت وقع هذه الكلمات أثلجت أطرافه كأن الحركة سكون، وشعر بحركة الدم في عروقه ببطء لثوان، شُلّ لسانه لأول مرة في حياته لم يملك إجابة ولا أي رد، كل ما يجول في ذهنه مولود ولد ليموت أو ليلحق به الموت، لمست الكآبة قلبه والحزن.. انصرف الطبيب وتعتلي مُحيّاه الحسرة، سلَبَ طارق البهجة في هذه اللحظة، صلب جسده في هيئة وقوفه كأن الروح غادرته للحظات ، استعاد وعيه ليتفقه بحلٍ أُوحي إليه ، ذهب إلى الطبيب ثانيا وسأله عن صنف دم الصبي فأجابه الطبيب ثانيا بجواب صادم حتى إن وجدنا أن دمك هو نفس صنف دم الطفل فقلبك كبير على أن يحمله جسد نحيف لم ينمو بعد، لكن إصرار طارق كان له غاية أخرى، لم يستوعب الطبيب إلحاحه لكن لمس منه حب الخير في هيئةٍ سامية، فٱمْتثل لرغبته وأجرى له التحاليل.. بعد عشرين دقيقة؛ ظهرت النتيجة والطبيب عمر أصابته الدهشة..  هو يحدق جيدا في أعين طارق قائلا أكنت تعلم صنف دم الصبي من قبل؟ قال له :لا ، زادت شكوك الطبيب وسأله مرة أخرى هل أنت أحد أقاربه قال له :لا ، ثم أضاف سؤالا آخر: من تكون إذن؟ قال له: أنا بن أخت فاطمة، مريضة بمرض مزمن وهي نزيلة في الغرفة رقم 7 ، اعتلت البسمة وجه الطبيب وقال له إنك حقا تملك فصيلة دم مميزة، وهي نفسُ صنف دم الغلام تحمل “موجب”. قام طارق من مكانه وسَجد لله شاكراً والطبيب يتعجّب من حال هذا الطالب، حين تفرّغ طارق من الدعاء وشكر الطبيب عمر على تعاونه، عاد إلى خالته مطمئنا ليجالسها سويعات، يمازحها أمام شركائها في الغرفة حتى أتاه خبر نجاة الطفل، لينصرف بعد أن ودّع خالته فاطمة..

ذهب لِيُلاقي الطبيب عمر للمرة الأخيرة بوجه جادٍّ هذه المرة دون إبداء أي لينة أو مزاح، “عندي طلب أخير سيد عمر”. أجابه وهو متلهف: مرحبا كلي آذان صاغية”. – “طلبي بسيط، أريد توقيع أوراق تبرعي بقلبي قبل موتي ليستفيد منه مَن احتاج إليه، وعسى أن يكون هذا الطفل إن شاء الله.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *