عبد الرحمن اليوسفي .. أيقونة البوغاز

بمناسبة الذكرى العشرين لعيد العرش بالمملكة المغربية، وفي حفل أداء القسم من طرف حوالي ألفي ضابط متخرج بباحة القصر الملكي العامر بتطوان، قرر الملك محمد السادس أن يُطلق اسم “عبد الرحمان اليوسفي” على هذه الدفعة الجديدة، مؤكدا على ضرورة السعي على تمثيل هذا الاسم أحسن تمثيل باعتباره رمزا للاستقامة والغيرة الوطنية لدى المغاربة قاطبة قولا وفعلا.

فمن هو عبد الرحمان اليوسفي؟ وما قصة هذا الرجل السياسي الذي عايش ملوك المغرب الحديث الثلاثة: محمد الخامس، الحسن الثاني ومحمد السادس؟

عبد الرحمان اليوسفي الغني عن تعريف عند المغاربة بمختلف أعمارهم، رجل ذو إرث ثقافي عالمي واسع، كيف لا وهو ابن مدينة البوغاز، طنجة الدولية حيث نشأ و ترعرع، قبل أن يشد الرحال إلى مراكش لإكمال تعليمه الإعدادي والثانوي وعمره لم يتعدى الاثنتي عشرة سنة، وهو الأمر الذي كان يُعتَبر إنجازا كبيرا في فترة نهاية ثلاثينيات القرن الماضي.
يتيم الأب منذ طفولته، أخ لمغربي راح ضحية الاختفاء القسري أيام الاستعمار الإسباني لشمال المغرب، كان له هوس كبير بالصحافة، واختار مسلك الحقوق ليكون بعد ذلك من كبار مُحامِيي البلاد، خريج دراسات عليا في العلوم السياسة وناشط كبير على مستوى حقوق الإنسان.

مسيرته النضالية ابتدأت مع تنظيم أول إضراب عن الطعام خلال فترة إقامته بالقسم الداخلي بإحدى الثانويات بمراكش، قبل أن يتعرض للطرد والتشرد ضريبةَ لنضاله، ضد الاستعمار هاته المرة. وقد أدى القسم داخل حزب الاستقلال شهرا قبل الإعلان على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944.

هي معلومات شحيحة جدا في حق اسم وازن في تاريخ النضال السياسي المغربي، ارتبط اسمه باسم حزب الاستقلال بأقدمية العضوية، ولكن لمع بريقه كرجل سياسي مع حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” باعتباره المؤسس الأول لهذا الحزب، إضافة لمسيرته النضالية في الصحافة باعتباره تعرض للاعتقال والمحاكمة بصفته رئيس تحرير جريدة “التحرير”، وذلك إثر مقال نزل بعنوان “الحكومة مسؤولة أمام الملك، الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام”.

شخصيا، أعتقد أن القيمة والمكانة التي حظي بهما هذان الحزبان وهذه الجريدة أيضا هو انعكاس للمكانة والقيمة الرمزية اللتين يحظى بهما هذا الرجل كمُطالب بالاستقلال وكمناضل حر وكمؤمن بالوحدة المغربية.

لقد عاصر عبد الرحمن اليوسفي كبار الأسماء في المغرب، ” المهدي بن بركة” كمثال، وهو الذي قال عنه “مستقطِبه لعالم السياسة” ، كما عايش فترة المنفى وثورة الملك والشعب مع الراحل الملك محمد الخامس، وعايش تجربة أول دستور مغربي سنة 1962 مع الراحل الملك الحسن الثاني، وبعد النفي والطرد، عاد ليكمل طريقه النضالي ليرسِّخ في ذهن المغاربة معنى الوطنية الصادقة.

وهكذا قاد حكومة التناوب التوافقي من سنة 1998 حتى سنة 2002، ليكون بذلك الوزير الأول لحكومة المغرب في أصعب فترات حكم الملك محمد السادس، فترة اتسمت بالتعقيدات وضرورة التغيير.

أعيد وأكرر، هي كلمات مجحفة في حق هذا الرجل، الذي تعرفتُ عليه أكثر في مؤلفه الجديد الذي أُُصدر السنة الماضية بعنوان “أحاديث فيما جرى”، ثلاثية أُصدرت لهذا الرجل في ظل حكايا تاريخية بواقعية ومصداقية تهم كل مهتم بالتاريخ السياسي للمغرب.

عبد الرحمان اليوسفي، الرجل الذي يقرأ التاريخ بنحو عقلاني، لم يكن مهتما بالشأن المغربي فقط وإنما بالشأن العربي أيضا، وهو الذي قال في حق الربيع العربي “عشته وأنا منفعل بأحداثه، وكأنني انتظرته منذ زمن بعيد، لقد هزتني رياح الربيع العربي، ولم أتفاجأ بها، كنت أُخَمن دائما أن الشعوب العربية ستصحوا قريبا لتأخذ مصيرها بيدها”. 

عبد الرحمان اليوسفي ذو 95 سنة، حي يرزق، وهذه نعمة من نعم الله أنه لا زال في حياة المغاربة رجل حكيم يعلَم الكثير عن أمس المغرب ويعاصر مغرب الغد، يستحق أن يطلَق اسمه على دفعة ضُباطٍ متخرجينَ وشارعٍ طويلٍ عريضٍ بمدينة طنجة، ولمَ لا جامعات ومستشفيات تحمل اسم هذا الرجل السياسي، نموذج حقيقي يقتدى به كرمزٍ للوطنية الصادقة!

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.