يحكى أنه لنا وطن يسمى فاجعة

لا شك أن الجميع تابع عن كثب شريطا عبر الفايسبوك يوثق لحظة احتراق الشهيدة هبة بمنطقة سيدي علال البحراوي بالمغرب من نافذة منزلها ولاحظ صورة مؤلمة تبين بقايا أرجل الشهيدة معلقة في نافذة البيت، بينما ارتقت روحها إلى السماء وغادرت إلى بارئها بإذنه تعالى شهيدة في جنة الفردوس.

هبة الطفلة التي لم تجلس مكتوفة الأيدي، لم تستسلم للموت، قاومت الطفلة النيران وحاولت إنقاذ نفسها ولم تستسلم إلا بعد عناء طويل.

ماتت هبة، تلك الزهرة الصغيرة التي قطفتها نار حارقة اغتالتها من بيتها وهي بعمر الزهور، هبة الطفلة المبتسمة الجميلة التي بدأت تحلم وترسم معالم طريقها شاء القَدرُ أن يتوقف نبض قلبها ويخطفها الموت لتختفي عن أنظار والديها وأُسرتها ومحيطها الصغير وعالمها الكبير الذي حلمت أن تكون وسطه يوما.

بالأمس القريب، أرسلنا التعازي لضحايا فاجعة بوقنادل بعد انقلاب قطار أودَى بحياة أبنائنا وربما لا زال دم ضحاياها يؤثث تلك الطريق التي رسمت صورة مفزعة يتذكرها كل من مر بها.

وبالأمس كذلك ودعنا ضحايا فاجعة أجوكاك بإقليم الحوز الذين ابتلعهم التراب وبحثت عنهم جرّافات وطنِي بطريقة تحمل عنوان الإهانة والمَذلة؛ ففي الوقت الذي تطور فيه النقل عبر العالم، لا زال العبور إلى منطقة نائية انتحار والخروج منها مجازفة، ولا حديث عن حال أهلها بعد الشتاء وعند الربيع.

وببالغ الحزن الأسى، وبقلوب محطمة ومنكسرة، اليوم مرة أخرى نودع الشهيدة هبة الطفلة البريئة التي استُشهِدت محاوِلةً النجاة من ألسنة النيران التي التهمتها دون رحمة ولا شفقة، وفي الضفة الأخرى عدسات الكاميرا تلتقط صورا ومقاطع فيديو وصورا لرجال ونساء يصرخن وبكاء وعويل على أياد مكبلة لم تستطع إنقاذ الملائكة من نيران نتنة تأكل كل من وجدته أمامها.

هبة ومعها كل ضحايا الوطن الجريح، لم يموتوا، هم فقط غادرونا إلى مكان أكثر راحة من هنا، أكثر رحمة، أهله طيبون لا سواد ولا هلاك فيه وتركوا لنا الموت الحقيقي ورائحته التعيسة هنا.

نحن الأموات لا هبة وغيرها، نموت في اليوم مائة مرة ونحترق بنار هادئة تلتهم أطرافنا شيئا فشيئا، تتغذى على مآسينا وآلامنا التي أصبحت جزءا لا يتجزء منا ترافقنا في كل يوم وحين.

ولكثرتها، لم تعد تفزعنا وتحرك فينا شيئا من الحزن، صرنا نودع شهيدا وننتظر آخر، يتغير التاريخ ويستمر الزمن عائدا إلى الوراء إلى العدم، وتبقى الفواجع واحدة والزمن واحد والجاني والضحية واحد.

الرحمة لروحها الطاهرة البريئة والرحمة لأرواح ضحايا أجوكاك وضحايا القطار ببوقنادل وآبار الموت بجرادة وشهيد الطحن بالريف وشهيدة الهجرة بتطوان، بل ولأرواح كل ضحايا الوطن الجريح في كل مكان وكل شهداء لقمة العيش وشهداء الكرامة ومن رفعوا شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. الرحمة على كل من كانت له قضية ارتقى دفاعا عنها.

الموت والخزي والعار لمن يتاجرون بمآسينا، بمآسي الوطن الذي كنا نحلم بأن يسعنا جميعا والذي كان لنا أمل أن يضمنا إليه، وطنا لا سجنا نعيش فيه سجناء نتمتع بسراح مؤقت.

أخيراً وليس آخراً..

حِدادٌ يتلوه حداد، بالأمس حِداد واليوم والآن وغدا حداد حتى يحترق ربيع الوطن، حتى نغادر جميعا هذا الوطن، حتى يُحْكَى بعدنا أنه كان لهم هناك أمل لكن جَلَّادا حاصر الأمل وحوله إلى ألم.

آسف، لنا عودة في تعزية أخرى وفاجعة أخرى ما دامت دار لقمان على حالها وما دام عنترة هنا، وما دام الراقصون على جراحنا ينعمون بالراحة فلنا المآسي والجراح والويلات ما داموا فوق رؤوسنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *