تمرد بصيغة المؤنث

من العسير إسقاطُ مقاربة إيتيقية على سلوك الفرد، كونُه كائناً بيو-ثقافي وسَطياً بين طَفرتيْن، كفريسة تتجاذبها الأسود قصد تمزيقها، فرجوع قهقرى حيواني خطر، والتمادي في الظن بالإنسان المتفوق بالتعبير النيتشوي (نيتشه) خطر في خطر، وبه يكون ذا مزاج في انتقاء المبررات، غير مُبالٍ بالمآل، إذا لم نستطع طرح سلوكه تحت مشرحة كانط؛  فعندما يكون الإنسان خارقا للمستوى السائد في فوضى التفكير المُسَلْعَن يكون معه السلوك في التقدير المعقلن ذي أهمية قصوى! 
أشْرِعةُ الإيديولوجيات لم تعد تُوَجّه سُفن الفكر إلى برّ الحقيقة، إذ لا مناص من إطلاق سراح العقلية المسجونة بسبب مقصلة السياسة كي تخلق مسارا جديدا لا رياح فيه.. 


إن الإنفاق بعقلية الفضيحة متلازمة، مسوغات ماورائية يتم تضميرها بسذاجة وقحة، لكن إقبار النيات أصبح غير ذي تأثير الآن في عالم مفتوح ومفتول إلى حد المرض، أصبح سلوك الشخص كارثةَ عوامل تعرية فكره، حيٌّ دون كبير جهد ولو كان ضئيل الأنوار.
استحضرتُ ما قامت به السيدة النبيلة ذات السحنة الطفولية بضواحي مدينة الجديدة، عطية بنكهة أصيلة، استثنائية في مجتمع أو شبه مجتمع بأعضاء عليلة سبنسرية، سلوك أربك الأرقام والأوراق، الاغتناء بحب الوطن والدين أصبح في حرج، على كاهل مجموعة من أفكار تخليق الأموال على طريقة الألمان وتكنيزها، حياتهم الجمع، ..القبع، استبيانُ المظهر في حالة انهزام الجوهر !
في فلسفة توجيه الصَّدَقات والهبات والعطايا، أي فهم من قائل بأن كل ما خرج عن نطاق الوقف يعتبر صدقات علمانية كبناء الجامعات لتغيير العقليات وتشييد المستوصفات لترميم النفسيات وتخليق الاستثمارات للرفع من الروحانيات، كون الفقر صديقاً حميماً للكفر.. والتعبير ذو قضية والمصطلح مفكك ومفخخ ذو شجون، وفي غابته تورط صاحبنا في مأزق، لا ندري هل هو فهم سقيم أو تعبير ذو انتقام؟ 
حجج خلت، كان المسجد المستحوذ الرئيسي في جلب الأموال بدعاية أو بدونها كما كان يفعل باباوات الإكليس؛ كانت الجنة والنار في عملة، تدور كروليت الروس في رواية المقامر، قمار مع الله في بيته، كجرأة الهومو في مسرحية “الوي – كلو “،… المسجد لم يعد كما كان من ذي زمان، عندما كان يحتوي على مكتبات للعلوم كما في بغداد، ويعتكف فيه ابن السبيل، ويهرب إليه المسكين، من طعنات البرد كما في الأندلس، ويتوب إليه المذنب والسكران على طريقة أبي حنيفة، المسجد كان بيت الله المجرد خال من المفاهيم المادية العسيرة الاستيعاب، بيت الله بهذا المعنى، كان يجسد فلسفة الفقير، الحلقة الأضعف في تصارع الأنام، والذي أتى الوحيُ خصيصا لممارسة الدفاع عنه ضد لصوص الله! 
لكن هاته الفلسفة القائلة آنفاً، تحتاج إلى تفكيك على طريقة “دريدا”، مقاربة نحو أزمة فهم! وتحديد التشخيص المشوه، الذي كان على نسخ تكرار السلف، حيث صار التكرار سُنَّة، وأضحى الإبداع بدعة، وانتحر الرمز الإنساني، وسيطر الفقهاء على حيوات الناس، وأصبح جلهم تابعين، وبات الجهلاء المتكلمين كثيرا من المقدسين!! وانتهكت الشخصية التشومسكية بخلق شخصية على مقاس التحكم، كما على لسان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، كون الفقير الجائع يكاد لا يفهم الحقيقة إلا على شكل رغيف! كما أن الحقيقة تؤلم دائما من تَعَود على الأوهام فترك الزهد للفقير والجنة للاستثنائيين بتعبير ذي لوبوفوار وسع فجوة الصراع والتحايل، فانتصرت الرداءة في جبة الكفاءة، والصراحة في منزلة الكذب، فأصبح الواحد منا عجيبا يرى نفسه غير متقبل له، فصارت البرمجة غير المعقلنة اعترافا حقيقيا لحالة الإخفاق الإنساني المحض ! 
هل أخفق الهومو-الحديث فعلا؟ هل أصبح كرة البيك يتنقل بين أمكنة محددة لا يُحَلّق خارج سربها دون روموت أو ترخيص… وكأن يدًا عليا تساعده في ذلك التنقل البئيس ، كإخراج بيدق الملكة دون حماية !  أليس للصدقة والهبة شرايين أخرى في المجتمع تصلها تلك الدماء كي ينتفع بها، أم أن نبض المجتمع مريض؟! علة تستلزم تدخل تحقيق توازنا نفسيا، بين حكمة الغيب وفلسفة الدنيا، كي يفضي ذلك هومو-متصالح مع الحداثة لا منكرا لها!
ما أساس ذلك التصرف العميق في آنِ سطحية الحداثة؟ كيف نفكّ المفارقة؟ كيف يكون ذلك غيرَ سائد وعجيب، حيث كانت الأموال ولا تزال رهينة بتحريك عاطفة روحانية صدأت في جوٍّ من موت الشعور والحس مزيج بادّعاء عقلانيةٍ عمياء؟!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *