رواية “تيلاندسيا”

عن مآسي المهاجرين الأفارقة


ذات مرة، حضرتُ لقاءً ثقافياً يتناول حضور المرأة في المشهد الثقافي العربي، مُشيرينَ لإسهاماتها في الأدب عبر مختلف أجناسه، وذلك قد لا يختلف حوله اثنان،؛ إذ هناك أسماء أدبية لنساءٍ عربيات بصمْنَ أسماءهن بحروفٍ من ذهب، وقدمْنَ للمكتبة العربية أعمالاً أدبية تستحق وافر الاهتمام. في أقصى يسار القاعة، التي نُظّم فيها اللقاء، تنحنح صوت نسائي قائلاً بنبرةٍ فيها من الانكسار والحسرة ما فيها: “من منكم يدلّني على روائية مغربية تكتب كنساء مشرقيات، أقصد من الجيل الحالي“.
قمتُ من مقعدي وأجبت على الفور: ” إعلامُنا يترك الأسماء التي تكتُب بجدية وإتقان ويسلط الضوء على أقبح ما يصدر من روايات ومجاميع قصصية ودواوين شعرية. فنحن، كقرّاء، من نصنع الأسماء أو نُقبِرُها“.

قد يبدو للبعض أن هذه الرواية التي -نحن هنا- بصدد تقديم مراجعةٍ لها أنّ اسم كاتبتها جدُّ مغمور، وهناك مَن لم يسمعه مِن قبل. أعرف ذلك! وهذا أمرٌ طبيعي، إذ لا يمكننا معرفة كل شيء، ولا يمكننا الإلمام بكل شيء.
ما زلتُ لحد الآن أكتشف أسماء أدبية في بلادنا تكتب ببراعة كبيرة، لكن الأضواء لم تُسلَّط عليها، أو أنهم يتفادون الأضواء. قرأتُ مؤخراً هذه الرواية المميَّزة، التي بدأت بلغة أنيقة وبسرد متسارع، أبهرتني به صاحبَته، وهو في الحقيقة سرد يجعل القارئ يقضم الصفحة تلو الأخرى من أجل حدثٍ يشكل منعطفاً هاماً في أطوار الرواية.

سردُها لا يمكن امتلاكه إلا بعد دُرْبَـةٍ ومِراسٍ كبيريْن، لأنها ربّما، وهذا من وجهة نظري المتواضعة، امتلكتْهُ بعد اختمارِ تجارب راكمَتْها عبر مطالعة تُحَفٍ أدبية خالدة. كما لا يمكن أن أنسى لغتها الرصينة ووصفها الدقيق، وتفنُّنها في انتقاء العبارات التي تُحرّك المشاعر الراكدة، سِيَّما وأن الرواية تعالج قضية إنسانية صارت واجهة إعلامية وأدبية خلال السنوات المنصرمة.

صدرت رواية “تيلاندسيا للكاتبة المغربية سلمى الغزاوي، في طبعتها الأولى، سنة 2017م عن “دار كيان للنشر والتوزيع” في مصر، تقع في 155 صفحة، عالجت فيها قضية إنسانية مستوحاة أحداثها من قصة حقيقية تُدمي القلب في الحقيقة. تناولت الرواية قضية المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء الحالمين بغدٍ مزدهر، راكضين وراء أحلامهم المغدورة، أو بالأحرى أحلامهم المعلّقة في “سماء أفلاطون”.
هؤلاء المهاجرون الذين وجدوا في المغرب محطة هامة للاستقرار والعمل، ومَرتعاً مناسباً لبناء أحلامٍ جديدة سيبتلعها البحر على حين غَرّة، مطلقاً “رصاصة الرحمة” على أحلامهم المجهضة في بلدانهم التي لفظتهم ولم تحتضنهم، حتى أنهم لم يعودوا قادرين على إدراك مشاعر الدفء والحب، طامعين في استنشاق هواء الحرية العليل في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.

نَسجَتْ الكاتبة سلمى الغزاوي من خلال روايتها ثلاثة خيوط رئيسية :

الخيط الأول هو حب الوطن مهما كان وضعه وأن نبقى في موقع المدافع المستميت عنه مهما حصل. الخيط الثاني هو العنصرية التي استشْرَت بقوة وأرخت بظلالها على مختلف مناحي الحياة مُعذِّبةً أصحاب البشرة السمراء؛ بينما الخيط الثالث والأخير هو الموت الذي يسرق أصحاب الزوارق الذين يتبنّون الهجرة غير الشرعية، الطامعين بانتعال الأراضي الأوروبية، لكنهم يصبحون طعاما للأسماك التي تلتهمهم دون أن تأبه بأحلامهم، حينها يدركون، بعد فوات الأوان، أنّهم يتبعون خيط دخان!

شخوص الرواية

تتكون الرواية من ستة شخصيات أساسية كوّنت أحداث الرواية هم: “مامادو (الرّواي)، جورج، عبدول، أماديا، نورس السوري، ثم ثلايثماس”. هؤلاء الشّخوص يجمعهم شيء واحد هو الوصول إلى أوروبا بأية طريقة. عندما وصلوا إلى المغرب تكبدوا عناء الترحال واشتغلوا في أعمال شاقة لا تحتمل. منهُم مَن فضّل المكوث في المغرب باعتباره بلدا آمناً ومستقراً وسينعمون فيه بعمل لائق، وبهذا يستطيعون سدّ رمقهم والعيش بكرامة هاربين من الحروب الأهلية والمجاعة والحروب الطائفية وكل ما هو مأساوي في بلدانهم التي لا تفارق وجدانهم المهزوم، ولا تبرح ذاكرتهم المكتظة بالذكريات الحزينة، لأن حضن الوطن، ببساطة، لا يُعوّض.

اللغة والأسلوب

في وسط الرواية، ومع توالي الأحداث الكثيفة التي تُبنى من لا شيء -وهذا مما يُحسَبُ للكاتبة- ، فاجأتني صاحبة الرواية بلُغتها، بعدما خرجت من قوقعة اللغة المميزة التي تجذب القارئ، ودخلت إلى عالم اللغة التقريرية المباشرة التي تصيب القارئ في غالب الأحيان بالضجر والإنهاك، إذ يصعب تحمُّلها لأنها لغة جافّة لا تحمل أي مشاعر، كما أنّها استعملت في بعض الأحيان لغة بسيطة أقرب إلى العموميات. وصار السرد، إلى حدٍّ ما، سرداً بطيئاً، حينها تبادر إلى ذهني سؤال مؤرق: ماذا لو بدأت صاحبة الرواية روايتها بهذا النّسق، حتماً ستكون روايةً مترهلة، وستجهض قضيتها الرئيسية، لكن، ولحسن الحظ، لم أجد هذا المشكل إلّا بعد أن تجاوزتُ عتبة المائة صفحة.

عموماً.. هي رواية رائعة، جديرة بالقراءة والاهتمام، خصوصاً وأنّ كاتبتها وظّفت تقنيات سردية متقنة، وحُبكة مُحكَمة، ولغة ممتعة قبل الوصول إلى الصفحة المائة.
لستُ ناقداً ولا مختصاً في الرواية، ولكنني أبديتُ رأيي المتواضع في هذا العمل الذي جعلني أثق في سلمى الغزاوي، وأتنبّأ لها بإصدار رواية أفضل بلغة أجمل، وبسردٍ حديث يشدُّ القارئ، وستعالج فيها قضية أكثر حساسية من التي تناولتها في “تيلاندسيا”.

سفيان البراق

رواية “تيلاندسيا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *