موسم الاصطياد

عن الحب و العلاقات العاطفية

بداية…لا لن أنطق بهذه الكلمة…فالغزالة لا تحب البدايات قط..لأن البدايات بالنسبة لها بمثابة اعلان عن نجاح الذئب في اصطيادها، تلك الغزالة التي تسعى دوما إلى وضع حواجز شائكة كي لا يقترب منها الذئاب..
-لكن هيهات ثم هيهات….

كيف لعنصر رقيق، ذو مشاعر جياشة وفائضة أن يقاوم اغراءات الذئب، فتارة كان يبكي لها، وتارة أخرى يخترع حكايات وأساطير السطو على مشاعرها، واستغلال عاطفتها…

ذئب متلون هدفه الوحيد جذب الغزالة الى وكره، ومع استمرار تقويض مشاعرها، تصبح الغزالة مكبلة الأيدي، لا تفكر البتة في مآل الطريق الذي بدأت تسير بين أرجائه، غادر عقلها الى موعد غير معروف، وأصبح القلب بطل القصة، أصبح همها الوحيد مجاراة الذئب، ومحاولة إخراجه من الامه، واعطاءه آمالا جديدة.

لكن هل اعطاء أمل للذئب سيجعله يتخلى عن غرائزه، هل ستستطيع غزالة وردية ترويض ذئب عاش حياته كلها وهو يبحث عن فرائس؟هل فعلا ستستطيع الغزالة أن تجعل من الذئب شيئا أليفا…؟
بامكاننا أن نتوقع إجابة هذه الأسئلة…لكن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بأيدينا، بل بيد الذئب والغزالة…..
هناك أناس يدعون أنفسهم أنهم عشاق الشتاء، الغزالة ترفض هذه الفكرة، لأن هذا الفصل كان موسم اصطيادها، واغتيال قلبها…

استطاع الذئب في هذا الفصل تكبيل قلب الغزالة بأغلال الحب، أغلال متينة لم يكن بإستطاعة غزالة وردية فكها…
فصل الشتاء، فصل لا يرحم، لأنه فصل سحقت فيه مشاعر الغزالة الطيبة، فأضحى يشكل لها هذا الفصل الكئيب موسم غدر والام، موسم حسرة وخذلان…

ولكن أنا لا أشفق على الغزالة قط، فهي من منحت مفاتيح الاغلال للذئب، هي من سلمت اليه زمام امورها، هي من منحته فرصة تكبيلها، هي من فتحت الباب بمصراعيه لذئب مفترس، وجعلت قطعة لحم على يسار جسمها صاحبة قرار، بدل استخدام عقلها الذي كان يدعوها دوما إلى الفرار، فذئب خانها قبل أن تقبل حبه، وشاهدت خيانته ولم تفكر ولو هنيهة في مصير قلبها، سامحته كالبلهاء، وقبلت حججه الواهية، اقتنعت بكلامه المعسول المزخرف، والمنمق بتعابير الحب، الذئب الشرقي لا يحب عزيزتي، وإن اقتنعت بذلك، فأنت حتما سقطت في مستنقع ذئب ما، فذئب الغزالة كان ذكي استغل مشاعرها، وسيطر على ضميرها، كانت تهاب أن تتركه ويصبح ذئبا شرسا، كانت تريد أن تجعل منه ذئبا، رؤوفا، ذئبا ذو خلق، ليس كسائر الذئاب، كانت تحاول اصلاحه، باستعمال القساوة معه، كانت تظن أنه سيتغير، لكن لا، كان دوما يتهمها بالغرور، الأنانية، والتغطرس، كان يتهمها مرارا وتكرارا، بتمثيلها للمثالية، لكن الحق يقال كانت الغزالة مثالية، هذه الغزالة حاولت اصلاح ذئب سعت إلى جعل علاقتها به أبدية، لكن أي أبدي يا غزالي عند الرجل الشرقي، رجل لا يعرف عن الدين إلا أن الله حلل الزواج من أربعة، الذئب لم يجد بديلا لذلك استمر في ارتداء الاقنعة، هذه الأقنعة التي كانت تصدقها تلك الغزالة البائسة، أقنعها أنها حبه الاول، أي حب أول للرجل الشرقي يا غزالتي؟ كيف لك الوثوق به الى هذا الحد، انتهى موسم الاصطياد وأصبح الذئب والغزالة يلتقيان تقريبا كل يوم، طبعا ومع اللقيا يترسخ الحب ويبسط أجنحته، لكن هل تظنون أن حب الذئب هو من بسط أجنحته أم الغزالة؟

طبعا الغزالة لأنها كانت معتوهة، حينما أخبرته بذلك أكد لها نفس الامر، وهي طبعا وثقت به، كانت تتوهم أنها تعرف كل شيء عن الذئب، اقتنعت أنه ذئب صادق، لأن الذئب حين يبكي فذاك يعني أنه فعلا أحب، تالله مكان ذلك بحب، كيف لذئب ضعيف الشخصية أن يحب غزالة واحدة، فالذئب ينجذب الى كافة الغزلان، الذئب الذي يبكي يكون بلغ أقصى حدود الرجولة، وهذا ليس من نصيب الغزلان اللطفاء طبعا، لأن الغزالة الطيبة تلتقي بذئب مزيف، لتتعلم من الحياة أن الثقة جوهرة مرصعة بالألماس، لا تعطي لكل من هب ودب.

الغزالة كان لها طبع حاد، كانت خجولة، بريئة، جدية مع الجميع إلا مع الذئب، انتقائية إلى أبعد حد، فكانت تحاول بسط انتقائيتها على الذئب، كيف لغزالة أن تجعل ذئبا اجتماعيا، أن يصبح ذئبا انتقائيا انطوائيا، لكن لحظة الذئب، كان ينجح في بسط انتقائيته امامها، وما ان تغيب يصبح انسانا اجتماعيا، ودودا، كان يعتقد أن الغزالة لا تدري شيئا عن هذا الامر، كلا الغزالة كانت تصل اليها اخباره، وهنا حاولت الغزالة احكام قبضتها عليه، مانعة اياه من الحديث مع الذئاب الأخرى، تلك الذئاب التي كانت تعتقد أنهم السبب الرئيس في تدمير أخلاقه، حاولت جاهدة أبعاده عنهم، مستعملة وسيلة التهديد بالترك، هذه الوسيلة التي كانت تظن أنها فعالة، أي ترك تتحدثين عنه، الذئب كان ينصاع للذلك في العلن، ويفعل العكس في الخفاء.

لكن المفاجأة كانت بالنسبة لها كصاعقة حين اعترض الراعي طريقها وهو يحاول ارشاد الاغنام للوجهة الصحيحة، فكان أكثر سوءا من بقية الذئاب، لأن باقي الذئاب كانوا ذئابا صريحين، لكن هو كان ذئبا متملق وكاذب، لم تقتنع الغزالة أن الذئب الفاسد غير قابل للاصلاح بل يستوجب الترك، لكن بعد كل هذا أصبحت شظايا الافكار تلاحقها، لكنها أبت أن تقبل حقيقة أن الحب غير موجود وإن وجد فهو كقطرات الندى في موسم جاف، نادر حد العدم، لكن الغزالة المسكينة لم تقبل أن علاقتها بالذئب، علاقة تعود ومصالح، مع انعدام البدائل انذاك، وثقت به أكثر وأكثر، لدرجة أنها اعتقدت أن حبه فاق حبها، حاول اقناعها بهذه الحقيقة الوهمية، حتى وصلت الى اليقين التام، واليقين هو درجة ثانية، بعد الثقة، أصبحت لا تشك حتى في تصرفاته، لأنه دوما كان يحاول بسط مشاعرها أمامها، المشاعر وليس الافعال، فأفعاله كانت تشير الى عكس ذلك، لم تجده بجانبها ولو لمرة، فكيف لغزالة عنيدة أن تقبل شفقة ذئب، لكن كل شيء زاد عن حده سينقلب يوما ما الى ضده، وكل من يمتلك اكثر من قناع ستكشف أقنعته يوما ما، فقد وقعت أحداث بين الغزالة والذئب، جعل قلب الغزالة يفيق نوعا ما من غفوته، فالذئب الودود التقى يوما ما بإحدى الغزلان وابتسم لها ناسيا أن الغزالة المعتوهة أمامه، لكنها كانت تشاهد الدراما منذ البداية، وحينما التفت بسرعة وجدها تحضر المشهد، وكالعادة حجج واهية قدمها الذئب، لكن هذه المرة قلب الغزالة استراح قليلا وأعطت المقود للعقل، وجهت إليه شتى انواع الشتائم، وبخته وقررت انهاء القصة، لكنه استعمل الاسلوب المعتاد، البكاء والرجاء وحاول اقناعها أنها لم ترى المشهد كما يجب، ولأن الغزالة كانت تفضل راحتها النفسية على الغوص في نقاشات فارغة لأن الذئب لم يكن ليتركها لأن مصالحه كانت لم تتم بعد، سامحته، ولكنها داخليا لم تسامحه، وبعد هذه الدراما تحول اليقين إلى “شك” لكن الذئب حاول بأقصى جهده اقناعها بالعكس، لأن الشك بسط أجنحته في قلبها، والشك إذا دخل قلبا ما أنهاه، ومنذ هذا المشهد والغزالة تفر من الذئب، تحاول وضع حواجز له، واخراجه من وريدها…

فالقلب أصبح متحكم فيه من قبل العقل، لكن القصة لم تنتهي هنا، لأن الذئب كان عنيدا، بالرغم من سعي الغزال للافلات من قبضته، كان هو يتمسك بها، لأن البديل لم يحضر بعد، فمرت سنة على الذئب والغزالة كالجحيم، فهي كانت تلاحظ انبهاره بالغزلان، وتواجهه بذلك، فيرفض الاعتراف، فأصبحت تستعمل معه ذات الطريقة، لكن الغزالة مزاجية الطبع، شخص واحد، ويشكل لها ازعاج فما بالك بالكثرة، لم تكن تأبه بأحد، كانت تنظر الى الرجل بعينها وعقلها في منحى آخر، فقط لترد اليه الصاع صاعين.

وفي احدى الليالي انتهى موسم الاصطياد، لكن هذه المرة لم ينتهي الاصطياد في الموسم الذي بدأ فيه، وانما انتهى في موسم الحرارة، فصل الصيف، الفصل الذي تهواه الغزالة، هذا الفصل الذي وجدت فيه الغزالة توقيتا مناسبا لتوديع الذئب، جعلت من ذنبه الاخير نهاية حاسمة، حاول الذئب اللعب بعقلها، ومحاولة اخضاعها مرة أخرى لكن هذه المرة كانت الغزالة أكثر قوة وصلابة، وكيف لا تكون كذلك وهي لوحت للقلب وجعلته يعتزل كل شيء؟ وسلمت زمام الامور للعقل، وامام محاولات الذئب لإعادة السطو عليها، كانت الغزالة تفعل كل الاشياء التي يكرهها الذئب ليستسلم، لكن الغزالة وان كانت قد تركت الذئب فقد تركته وهي بين حيرة وشك هل فعلا تغير، ام لازال نفس الذئب الذي تعرفت عليه في موسم الاصطياد؟

ووضعت بين جنبات عقلها الصغير أن الذئب، سينفذ أقاوله ويأبى أن يخونها مرة اخرى، لأن انهاء العلاقة ليس انهاء الحب، وبعد مدة قصيرة وفي خضم حديث الغزالة مع صديقاته، هذه الأخيرة لا تعرف الا النهاية، فالغزالة ترفض فكرة الكشف عن أسرار شخص او احداث عاشتها مع أشخاص، طالبت منها صديقاتها أن تعتذر للذئب، ونسيت أن أخبركم أن للغزالة عزة نفس، من الصعب أن تنزل بكرامتها الى الارض من أجل اي كان، لكنها فكرت واقتنعت أن عليها الاعتذار فهي لازالت في حيرة بين فساد الذئب أو صلاحه، لكن الصاعقة أن الذئب رفض الاعتذار، متهما اياها بأنها تركته، وأنه لا يليق بها حسب وجهة نظرها… طبعا هذا الامر لا يصادف الصواب والواقعية، فأفكار هذه الغزالة كانت تختلف عن أفكار باقي الغزلان، لم تكن تأبه بأي شيء غير رجولة ذاك الرجل من عدمها، وبعد اعتذار الغزالة ورفض الذئب أخبارها بأنه فتح الباب أمام العديد من الفتيات، سألته إن كان يحب اخرى، لأن الغزالة تفضل الموت، على الاستمرار في علاقة وهمية، يسودها الشك والريبة، لكنه أقنعها أنه لن يعيد نفس الكرة، وسيوجه نظره صوب حياته ومستقبله، وطبعا الغزالة وثقت بذلك، معتقدة أنه لازال يحبها، وبعد مرور مدة جد قصيرة رأت الذئب رفقة غزالة أخرى في مشهد مخزي، ضحكت هي، بينما اغرورقت اعين صديقاتها بالدموع، فعوض أن تواسيها صديقاتها، حصل العكس… منذ ذلك الحين اقتنعت الغزالة أن الذئاب جميعهم ذئاب تتحكم بهم غرائز وشهوات ليس الا.

لكن ليست كل الذئاب شهوانية فالغزالة التقت بذئب لطيف، جميل، ذئب حنون، ذئب يعمل جاهدا من أجل إعادة الحياة لها، ذاك الذئب الذي سعى إلى جعل الغزالة ترتبط به برباط متين، بعيدا عن عالم الخيال، لكن الغزالة رفضت بناء حياتها رفقت ذاك الذئب، لأنها لا تكن له اي مشاعر أو احاسيس، هي تعتبره فقط صديقا، لكن هناك من يقول ان الصداقة قد تنتهي إلى حب ،نعم، لكن حينما تفتقد ذاك الشخص، وتحس ولو بمشاعر طفيفة نحوها، فالغزالة فقدت قلبها، لم تصبح تشعر لا بالحب ولا بالكره، أصبحت جميع المشاعر بالنسبة لها متشابهة، والسبب ذئب متهور، ضعيف الشخصية.

لذلك نصيحة للغزلان اياكم والذئاب، فالضريبة التي دفعتها الغزالة كانت بخسة الثمن لأنها كانت قوية من الداخل لكن قد تكون الضريبة التي قد تدفعنها باهضة الثمن…
ملحوظة: الغزالة دق قلبها مرة أخرى

موسم الاصطياد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *