محطات من تاريخ اليهود بالجنوب المغربي

تمنارت طاطا،إفران أ.ص و تاهلة تافراوت نموذجا

بقلم / الحسين اولودي باحث في الجغرافيا السياسية (المغرب)
/إيمان عبد الرحمن الفيلكاوي باحث في العلوم الإنسانية(الكويت)


السياق…
بعد رحلتنا التي شملت جل مدن شمال المملكة (طنجة، تطوان، فاس، مكناس، شفشاون، وزان…) توجهنا صوب الجنوب وكانت أولى المحطات المدينة الحمراء “مراكش” في رحلة علمية استكشافية كان موضوع الدراسة سببا في بدايتها، كي نقف عند صور مختلفة للتعايش والتلاحم بين مكونات المجتمع المغربي منذ القدم.

وكمحور أساسي من بحثنا الذي يحمل عنوان “قبول الآخر في مجتمع متعدد الثقافات” وهو بالمناسبة عنوان رسالتنا بجامعة القاهرة.
وبدء بمراكش وضواحيها مرورا بالصويرة، تارودانت وصولا إلى إفران الأطلس الصغير وإقليم طاطا (تمنارت، أقا، تازارت) ومنطقة تافراوت، وهنا سنتوقف عند كل منطقة وما يميزها عن أخرى في تلك الفترات التي جاور فيها اليهود السكان المحليين لهذا المجال الترابي الشاسع،وما مدى مشاركتهم كل صغيرة وكبيرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.

أكرض تمنارت ..

إن تواجد العديد من المزارات والاضرحة وبقايا مقابر ومعابد يهودية، هو ما يؤكد استقرارهم بتراب طاطا عموما، حيث اطلال التراث اليهودي لا يزال بعضها يقاوم الاندثار والنسيان وظروف التعرية والزمن، بذاكرة بعض الشيوخ ممن عاشوا مع اليهود هناك يروون تفاصيل ونمط عيش الطائفة اليهودية بالمنطقة ككل. وما يرجح ما سبق ذكره نجد على سبيل المثال لا الحصر، ضريح سيدي دانيال ببني يعقوب، وضريح سيدي الشناوي بتراب جماعة أقل إلى غيرهم(تازارت، تمدولت، تمنارت..).

والحديث عن اليهود بتمنارت رغم شح المعلومات حول الموضوع، فإن أولى الوفود استقرت بدوار أكرض حيث يعد الموطن الأصلي الوحيد للذين عاشوا هناك بتمنارت قبل مجئ الإسلام بمنطقة تسمى” كر إسواك ” أي ” بين الأزقة” .والأرجح أنهم السكان الأصليون للمنطقة ممن قدموا من أمريكا اللاتينية آخذين معهم حرفهم التقليدية كالحدادة والسياخة والنجارة كما أشار لذلك الباحث “عز الدين اليوبي” في بحثه “التواجد اليهودي بتمنارت “.وكان عددهم بالواحة عشرين كانونا أي ما يقارب مئة نسمة، استمروا في الاستقرار وسط تمنارت حتى بعد دخول الإسلام وقبلوا بدفع الجزية ما يوحي برغبتهم في الاندماج والبحث عن سبل الأمن والآمان والعيش بسلام مع غيرهم طيلة مدة تواجدهم بتمنارت. زد على ذلك العلاقة الجيدة التي تجمعهم آنذاك بالمخزن عن طريق السماح والترخيص لهم بالسكن و التمليك، ودخولهم في الحياة السياسية بالتأثير والموالات أحيانا كما هو الحال عند تعاطفهم مع الأسرة الكثيرية التي رهنت لهم جزءا كبيرا من أملاكها حين اضطرت لمغادرة مقر حكما بعد القبض على القائد “ محمد بن عبد الله التمنارتي” على يد محمد العالم -كما جاء به الدكتور شفيق أرفاك في بحثه “ قيادة تمنارت بين التزام المحيط القبلي والسلطة المخزنية“.
وأجمعت معظم الروايات الشفوية حول مسألة رحيل ومغادرة آخر يهودي“مخلوف ” لملاح أكرض تمنارت،على أن السبب راجع بالأساس إلى التحولات السياسية الكبرى التى عرفتها منطقة الشرق الأوسط وقتها بالظبط سنة 1948 بعد قيام إسرائيل وما صاحبها من أحداث هنا وهناك، بالإضافة إلى دخول قوى الاستعمار الفرنسي للجنوب وهدد تواجدهم وزعزع استقرارهم هناك، زد على كل هذا تفشي المجاعة وغياب الأمن بشكل عام.

إفران الأطلس الصغير..

إلى جانب التنوع التاريخي والثقافي الذي تزخر به منطقة إفران الأطلس الصغير، أرض التعايش كما يحلو للاستاذ حسن بوفوس تسميتها، في إشارة منه للتعايش في أبهى صوره بين السكان المحليين واليهود الذي استقروا بإفران على جنبات وادي إفران وبالسوق “أوفلا” “السوق العلوي”، حيث اختاروا تشيد الملاح وإنعاشهم للتجارة وبعض الحرف التقليدية.

ففي القرن 10 خلال الحكم الفينيقي وحكم الدولة اليهودية بفلسطين، حيث تم إرسال تجار يهود على متن السفن الفينيقية التي رصت بساحل ماسة ورأس (جنوب أكادير) ومن تم شدوا الرحال إلى إفران، بالإضافة إلى فرار فئة منهم من بطش الملوك الأشوريين والبابليين بعد انهيار الدولة اليهودية الشمالية.
ويشار أن أقدم “ملاح” بشمال أفريقيا هو ملاح إفران الأطلس الصغير كما جاء في كتاب “وصف افريقيا”. وأطلال الملاح المذكور وبقايا المقبرة لا تزال شاهدة على محطة مهمة من تاريخ المنطقة.

منطقة تاهلة تافراوت ..

والحال لم يتغير كثيرا عن ما كان عليه الوضع بإفران، حيث تشارك اليهود السكان المحليين من الأمازيغ. هذه المنطقة في نمط العيش على مستويات مختلفة كما يحتفلون سويا في المناسبات التي يحضرونها كما ذكر لنا “الخال عالي بومهاوت” بالإضافة إلى تقاسم أعباء الحياة مع الاحترام المتبادل داخل المجتمع الواحد، بحيث يلجون بيوت أهل المنطقة والعكس صحيح، وكان اليهود وقتها من أصحاب المال وكبار التجار في الأسواق المحلية بمنطقة تافراوت بشكل عام، بفضل ممارستهم للمهن المختلفة من خياطة وصياغة وتجارة…وما ميز تواجد واستقرار اليهود بتاهلة، وبشهادة جل السكان المحليين هناك، هو المعاملة الحسنة مع بعضهم البعض ومع غيرهم سواء داخل السوق أو في الملاح، وبهذا تعاد دائما تلك الصورة الجميلة المتجانسة برونقها المختلط بالتسامح بين مكونات سكان تاهلة باختلاف أطيافهم، وترسخ لنا -الصورة- كذلك مدى قبول الآخر في المجتمع المغربي بشكل عام ولدى أهل الجنوب بشكل خاص بصرف النظر عن أصله و عرقه أو لغته أو دينه أو لونه.
وقبل الانتقال إلى إقليم طاطا وبالظبط محطة تمنارت لابد أن نشير لما صرح به الحاخام “أبراهام فخور ” على سبيل المثال لا الحصر، وهو يحكي عن تجربته بالجنوب المغربي الذي ترعرع فيه منذ نعومة أظفاره ،مشيرا إلى مدينة أكادير والتي عاش فيها لعقود قبل أن يغادرها أوائل سنة 2000
،وأكد هو الآخر أن الفترة التي قضاها مع جيرانه من السوسيين من مسلمين وغير المسلمين طابعها التقدير والاحترام المتبادل .

خلاصة

وختاما، فجل أبحاث المؤرخين والدراسات التي تناولت موضوع اليهود بالمغرب عموما، تؤكد أن استقرارهم كان عبر فترات زمنية متفرقة أهمها : من وصلوا مع الفينيقيين وتمكنوا من الدخول إلى المناطق التي يسكنها الأمازيغ بالجنوب، وكانت بعدها مرحلة الهجرة للمغرب الأقصى سنة 1492 مع سقوط نظام الحكم الإسلامي بالأندلس جراء التهجير القسري الذي تعرض له المسلمين واليهود من طرف الإسبان. كما وجب التذكير بتضارب الروايات حول تواجد اليهود بالمغرب عموما، وإجماع جل الكتابات والشهادات المنقولة عند الجيل الذي عاش وتعايش معهم أن العلاقات داخل المجتمع الواحد دائما يسود فيها التسامح مع احترام الإختلاف منذ بداية الهجرات الأولى.

محطات من تاريخ اليهود بالجنوب المغربي

تعليق واحد

  1. Vraiment c est très interessant comme sujet qui relate la vie des marocsins de confession juive…il y a des idées qui étaient absentes de mon esprit …j’ai vu une vidéo d’une femme juive qui disait le fils du prophète Soulaymane ou Salmon est enterré à Taznakht..ce qui m’a ébloui..donc le Maroc edt le pays où il y a plusieurs saints que vénèrent et respectent les juifs …ces saints
    constituent l’identité authentique des juifs marocains dans lr monde entier nt

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *