صورة الآخر في السرد العربي-2-

مفاهيم و مناهج الاشتغال

لقراءة الجزء السابق :

الجزء الأول

-الصورلوجيا في الأدب المقارن/ صورة الآخر:
في كتاب “غويار” حول “الأدب المقارن” نعثر على إشارتين منهجيتين لا تخلوان من الأهمية، تلمح أولاهما إلى طبيعة صورة الآخر والخطر المنهجي المحدق بها: “إن كل فرد، بل كل جماعة، بل كل بلد يصنع لنفسه، عن الشعوب الأخرى، صورة مبسطة تبقى فيها فقط معالم هي أحيانا جوهرية في الأصل وأحيانا عرضية. وليس هناك ألمانيا فحسب، بل هناك ألمانيا ميشيلية وألمانيا الفلاسفة، وألمانيا الفرنسيين. وبقدر ما تكون الجماعة متسعة، يكون خطر الوقوع في التجرد أعظم بالنسبة إلى من يحاول أن يحدد صورة، وتكون هذه الصورة في الواقع كاريكاتورية مشتملة على الخطوط الجوهرية، ولافتة للنظر”.

فصورة الآخر، من حيث هي فكرة: نسبية، لا تستقر على قرار، متعددة بتعدد الكتاب والفئات، يهددها خطر الأحكام المجردة، خاصة إذا كان البلد المعني شاسعا، إضافة إلى اشتمالها على الجوهري والعارض. وكل هذه المعطيات، على الرغم من أفقها المحدود، نراها مفيدة للناقد لتركيب مشروعه الجمالي.

أما الإشارة الثانية فتتسم بأهمية قصوى نظرا لتأكيدها إمكانية الضبط المنهجي للصورة في خضم التأثيرات والتشابهات الاعتباطية: “إن التأثيرات غالبا لا توزن، وإن التشابهات تتعلق بالمصادفات، بينما يمكن بالمنهج، أن يصف الباحث بالضبط الصورة أو الصور لبلد ما، ونعني الصور المتداولة في بلد آخر، وفي عصر معين، لأن التحقيق هنا يتغذى بوقائع جد ثابتة”.
فصورة الآخر، تبعا لهذه الملاحظة، قابلة للتحديد والتأطير مهما اتسمت بالنسبية، دون أن يعني التحديد هنا تخوما جمالية أو مكونات أدبية. خلال العقدين الماضيين عرف مبحث “صورة الآخر” في إطار الدائرة الثقافية الفرنسية تطور وانتشار ما يسمى ب l’Imagologie ، باعتبارها خطة عمل تقارب الصور الأدبية معرفيا، باحثة فيها عما يزكي المقولات العرفية والإناسية والثقافية والاجتماعية. والحقيقة أن هذه الخطة، التي ترجمها بعضهم ب”الصورلوجيا“، تغري الباحث المختص بعنايتها الفائقة بصورة الآخر، وتضع بين يديه كما من النتائج المعرفية التي قد تسعفه في صياغة الإشكال مثاليا.

في هذا السياق الذي يتداخل فيه ما هو علمي بما هو أدبي، اهتم Lageaux بصورة الآخر من وجهة نظر ثقافية إديولوجية، لأن الكتابة عن الآخر تعني انفتاحنا على ميدان المقارنة الفسيح، أي l’Imagologie التي نعاين فيها امتزاج النظام الأدبي بالبعد الأنثربولوجي.

إن مفهوم الصورة يستدعي لدى Pageaux تحديدا علميا يمكن صياغته كالتالي: إن كل صورة، مهما كانت صغيرة، تصدر عن وعي، عن “أنا“. ذي علاقة “بالآخر“، عن “الهنا” في علاقته ب“الهناك“. فالصورة إذن هي حاصل انزياح دال بين واقع ثقافتين. وهي أيضا تمثل واقع ثقافي أجنبي يكشف ويترجم من خلاله الفرد أو الجماعة التي صاغته أو تقاسمته أو روجته، عن الفضاء الإيديولوجي الذي تتموضع داخله.

-مناهج ومقاربات الاشتغال على صورة الآخر في السرد العربي:
إن مقاولة تحديد مناهج ومقاربات الاشتغال على صورة الآخر في السرد العربي محاولة تتميز بالسهولة المستعصية، فصورة الآخر كظاهرة وإن كانت سهلة الاستشفاف من المتون الروائية، إلا أنها في حقيقة الأمر تستدعي وتستحضر مفاهيم وإشكالات من شأنها تشييد هذه الصورة بأكبر قدر ممكن من الموضوعية والإتقان.

لنقارب هذه الإشكالية سنفترض أن التشغيل المنسجم للغة من قبل المبدع في سياق جنس أدبي ما، هو في العمق توظيف للغة تمثيلية تناط بها مهام تجسيد الأفكار والعواطف والمواقف بواسطة كل من الصور المتفاعلة فيما بينها تفاعلا فنيا مشروطا، والإشكال الذي يصادفنا في حالتنا هذه هو أن امتزاج “الصورة الروائية ” ب “صورة الآخر” هو امتزاج كلي، لذلك تبلورت فكرة هذا المحور وتطورت وفق تصور ثنائي يراعي، في آن واحد، عناصر أسلوبية ومقارنة، أي بالإمعان الجيد في صيغ تداخل جملة من الحقائق التاريخية والإثنية والأنثربولوجية والثقافية بالمكونات الجمالية.

ف” صورة الآخر” مفهوم يربط بين خطي البحث الجمالي والمقارن بحيث يمكننا ربط مبحث الصورة السردية بالحقل الأدبي الصرف، من حيث هي وحدة فنية ضابطة، ونقاربها من منظور وظيفتها السياقية في النص، وديناميتها ضمن حدود نص روائي معطى كما نظر لها Steven Ulmann الباحث الإنجليزي، كما يمكننا ربطها بمبدأ “الإنشائية المقارنة” الذي جاء به Claude Pichois لنقترب من الكلمة الأدبية وبأبعادها الإنسانية بحيث نعطي الاعتبار للمتلقي (القارئ المفترض) وسلطة الجنس والامتداد الروائي والسياق والكثافة وغيرها من السمات والمكونات المغيبة عادة من حقل بلاغة السرد.

إن فهمنا الأمور على هذه الوتيرة لا يعني أبدا انسلاخنا عن شروط الظاهرة الاجتماعية، أو إدراكنا للواقع إدراكا شكليا محضا، إننا نعي جيدا أن الواقع الروائي لا يحيل في العمق إلا على ذاته، وأن طبيعة هذه الإحالة هي التي تستدعي شروطها الاجتماعية والسياسية الخاصة بها، وبعض التفاصيل الموضوعية أو الحقائق الاجتماعية التي أتاحت لها العروض السابقة الفرص للكشف عن صيغ تبلورها في صور أدبية.

انطلاقا من هذا المنظور يمكننا تحميل الصور السردية للآخر كل الحمولة الاجتماعية والواقعية والجمالية التي يفرزها السياق نفسه، وجعلناها تتويجا واعيا يتعالى عن الانشطار الثنائي إلى شكل ومضمون ويدمج مبحثي “الصورة” و “صورة الآخر” في مقصد أساسي يتمثل في استشراف الأساليب والرتب الجمالية التي حيكت بها صور الآخر في السرد العربي، آملين بذلك عقد مقارنة بين الصورة الجمالية لهذا الآخر وصورة الأدبية والتاريخية والاجتماعية والإثنية والأنتربولوجية في الثقافة العربية.

بهذا يمكننا تمثيل المناهج الأساسية للاشتغال على صورة الآخر في السرد العربي في ثلاث: المنهج الأنتربولوجي، المنهج التاريخي والمنهج البنيوي. اعتماد المنهج الأنتربولوجي في دراسة صورة الآخر ينبع من ملاحظة الأنتربولوجيين، وعلى رأسهم كلود ليڨي شتراوس، أن المجتمعات البشرية قد تعمل باتجاهات متعارضة، بعضها يعمل في اتجاه الاختلاف وبعضها في اتجاه التقارب والتشابه، وهذا أمر وجدناه بالفعل من خلال دراسة نماذج سردية لصورة الآخر، فبعضها يرسم علاقة التضاد وبعضها الآخر يمثل للانجذاب. وهذا المنهج كأرضية يساعدنا على فهم تكون الصورة في المخيلة الشعبية أولا وفي السرد ثانيا، فهي غالبا صورة مشوهة ناتجة عن منظومة معقدة من الإحالات وأحكام القيمة والنظرات الانعكاسية التي تفرضها علينا التربية وصيرورة معارفنا التاريخية.

هذه المعارف تجد لها تفسيرا في اعتماد المنهج التاريخي وذلك برصد أهم الوقائع التاريخية والمحطات السياسية التي شكلت نقطة التحول في العلاقة بين الشرق والغرب. وابتدأت بالخصوص منذ الحروب الصليبية مرورا بالحركات الاستعمارية الامبريالية التي قلبت موازين القوى، بالإضافة إلى الصراع العربي الإسرائيلي الذي زكى الصورة النمطية لليهودي والتي لم تعرف تحسنا منذ المقامات إلى غاية الروايات التي تنتصر لفلسطين وسوريا ولبنان وغيرها في مواجهة إسرائيل الصهيونية، دون نسيان أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي كان تأثيرها الأكبر متمثلا في تسييس الدين وجعل المستوى الهوياتي الديني السمة الطاغية في الحكم على الآخر مهما كانت اهتماماته أو نسبة تسامحه وتفتحه على الشرق والإسلام.

وحتى لا نبقى نحوم في أجداء النص، نمر للمنهج البنيوي الذي يسمح بالهجوم على النص وتحليل بنيته على اعتبار أن صورة الآخر هي صورة فنية بالدرجة الأولى، ما يسمح لنا بدراسة البناء الفني الخاضع لشبكة من التعقيدات التي لا يقتضيها إلا النص السردي بذاته. بهذا يمكن إخضاع التصوير النصي واللغوي في عدة مستويات: السياق النصي، المستوى الذهني، قواعد الجنس، الطاقة اللغوية، الطاقة البلاغية…، مستعينين في ذلك بمعطيات البلاغة وعلوم الدلالة والإحصاء واللسانيات والسيميولوجيا وأصول الجنس السردي ذاته، في تقاطع مع الصورة الشعرية من حيث هي تكثيف بلاغي أو مجاز.

باعتمادنا هذه المناهج الثلاث والتي جعلناها كأمثلة رئيسة، يمكننا الاشتغال من عدة زوايا وبعدة مقاربات خاصة منها الوصفية حيث نعمل على وصف تمثل صورة الآخر كما جاءت في المتن قبل المرور إلى المقاربة التحليلية التي تشتغل على البناء الفني أو حتى المقاربة النفسية التي تحاول سد أغوار الذات وعلاقتها بالآخر وبنفسها من منظور سيكولوجي.
ومبحث صورة الآخر أو الصورلوجيا لصيق أشد الالتصاق بالنقد المقارن، لذا لا يمكننا دراستها في متن من المتون السردية دون استحضار نصوص موازية أو مقارنة. ودائما في إطار النقد نقول إن من أهم الاتجاهات النقدية التي من شأنها تطوير دراسة صورة الآخر، النقد الثقافي، فهو بدراسته للأنساق الخفية والمبطنة والتي تحيل على الخلفية الثقافية والشعبية لصاحب المتن يساهم في إعطاء صورة متكاملة عن تشكل صورة هذا الآخر وتمظهرها في النصوص السردية العربية قديمها وحديثها.

صورة الآخر في السرد العربي-2-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *