عذراً مُعلّمي.. لم تستحق التبجيل!

“قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا”
لا أعلم عن أيّ معلم كان يتحدث أحمد شوقي، أي معلم هذا الذي جعل قلمه ينزف تلك الأبيات ليرفعه بها إلى منزلة الرسل؟  ما أنا متأكدة منه، أنه لست أنت معلمي. فلتُلوِّث دفاتري كما شئت بتلك الأبيات، لست أنت معلمي من سنقِف له لنوفيه التبجيل والاحترام.
عذرا معلمي، لم أعد تلميذة بين مقاعد صفك لأنافقك، لم أعد طفلة لأوارِيَ الحقيقة خلف ضعفي، تحررت معلمي من حجرة الدرس، كما تحرر فكري من ذلك الخوف الذي زرعوه فيه وسقيته انت بما أوتيت من منصب وسلطة.
معلمي، لا أعلم إن كان يجدر بي مخاطبتك هكذا في وضعي الحالي، لكنني سأفعل لأنك رغم كل شيء كنت وستظل معلمي. لست أعاتبك، أبدا لن أفعل ذلك لأنني أعلم أنك كنت فاقدا لما احتجته آنذاك، وفاقد الشيء لا يعطيه، أنا فقط أريد ان أخبرك بضعة أشياء قبل أن تأخذ أحدنا الأيام.
معلمي، كنت حينها طفلة، كنت في نظرك ذلك الكائن البريء والخبيث في الآن ذاته، لذلك كنت تكبح حريتي ما ٱستطعت، لم تخبرني يوما كم من الأشياء في هذا العالم ليست كما أظنها، لم تخبرني يوما أنهم يكذبون بل سقيت تلك الأكاذيب لتنمو وتترعرع داخلي حتى ما عدت أقوى على ٱجتثاثها، التهمتني أكاذيبهم معلمي، ولا طاقة لي بها!
لماذا يا معلمي؟  لماذا لم تأخذ بيدي عندما كانت روحي فتية ومعدني كالعجين، لماذا لم تشكلني كما يجب وقتها معلمي؟ لماذا تركتني لهم؟ بل لماذا ساعدتهم؟ لا أسألك لتُجيبني، لأنني الآن لم أعد في حاجة لذلك الجواب، كبرت معلمي ووجدت إجابات لكل تلك الأسئلة، لكن بعد فوات الأوان، فات الأوان مُعلّمي!
لم أعش كما يجب معلمي، فحتى طفولتي التي كنت أعتقد أنني عشتها كما يجب، اكتشفت ٱليوم أنها كانت غابة من ٱلأوهام، أوهام كنت أنت سيدها. أخبرك بهذا معلمي لأنك كنت الشخص ٱلذي كان يفترض به أن يأخذ بيدي، أخبرك بهذا لأن وظيفتك لم تكن تعليم القراءة والكتابة بل تعليمنا سبل الحياة!!
معلمي، أتذكر جيدا كيف كنت تلميذة مجدة من وجهة نظرك، كيف كنت أؤدي جميع ٱلواجبات وأحصد العلامات الكاملة، العلامة تلو الأخرى، كيف كنت راض عني إلى درجة تثير اشمئزازي اليوم، لم يكن ذلك ما يهم معلمي، صدقني لم يكن !
حياتي جحيمٌ معلمي، صدقني مهما حاولت إيجاد مصطلح أقل حدة لوصفها، لست أجد، وهل هنالك جحيم أكثر من إنهيار ٱلمعتقدات وٱلمبادئ التي بنيت عليها حياتنا ولم نشارك بوضع لبنة واحدة منها!
أعلم معلمي، كانت الرأسمالية تستنزفك كباقي ٱلمواطنين، لم تكن معلما بل عاملا يتقاضى أجره مقابل تلقين ٱلقراءة والكتابة، وعندما كانت ٱلغيرة تتقد بداخلك، الغيرة على أطفال مثلنا، كنت تجد في تلك ٱلعصا ٱلخشبية وسيلة وملاذا لقلقك. لست ألومك معلمي، أنا أحاول أن أتفهمك صدقني!
معلمي، أنت لم تكن تعي مكانتك، فكيف كنت تطلب منا أن نعيها، كيف تطلب ٱلتبجيل، وأنت لا تدرك ما سبب ذاك التبجيل. لم تكن تدرك مكانتك في حياة طفلة مثلي ولم أكن أدرك مكانتك في حياتي، لكني اليوم أدركت، ومجددا فات الأوان معلمي!

لم تعلمني شيئا عن الحياة معلمي، لم تبذل أدنى جهد في انتشالي من كومة النفايات التي كانت لتوها تزحف تحت قدمي وتركتَها لتغرقني حتى رأسي، بل ساهمت في مراكمتها، لماذا معلمي؟ أعتذر منك معلمي أجل، ولكن عن ماذا يجب أن أعذرك، أَ عن جهلك أعذرك؟ أم عن خوفك؟ أم عن كونك كالجميع؟ عن ماذا؟لكن، أتَعْلَم مُعلّمي، أنا ممتنة لك بشدة، فلولا أنك علّمْتني القراءة، لما اكتشفت كل تلك الأوهام، كانت القراءة وما تزال باباً لي على الحقيقة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *