معادلة كورونا: الأرواح مقابل الأرزاق “الجزء الثاني”

أو عندما تصير صحة البشرية رهينة الاقتصاد العالمي

لقراءة الجزء الأول من التدوينة:   الجزء الأول


الحد من التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا بوضع سياسات موجهة
الأكيد أن هذه الأزمة الصحية التي يعيش على إيقاعها كوكب الأرض سوف تفضي إلى المزيد من التداعيات الاقتصادية الكبيرة، انعكاساً لصدمات تلحق بالعرض والطلب تختلف عن الأزمات السابقة، ما يتعين معه وضع سياسات جوهرية توجه لمساعدة الاقتصادات، خاصة الهشة وغير المهيكلة منها، لتجاوز مرحلة الانتكاسة الاقتصادية والاجتماعية التي سبَّبَها انتشار هذا الوباء، مع الحفاظ على سلامة شبكة العلاقات الاقتصادية والمالية بين العاملين ومؤسسات الأعمال، والمقرضين والمقترضين، والموردين والمستخدمين النهائيين، كل ذلك لكي يتعافى الاقتصاد العالمي متى توارت وانتهت هذه الجائحة، ليبقى الهدف الاستراتيجي هو منع أزمة ظرفية مؤقتة كهذه من إلحاق أضرار دائمة أو شبه دائمة بالإنسان والشركات من خلال فقدان الوظائف وحالات الإفلاس.

وقد ازدادت خسائر الأرواح من جراء تفشي فيروس كورونا،بمعدل مثير للقلق بينما المرض آخذ في الانتشار ليشمل عددا أكبر من البلدان، ومن ثمة تسجيل معدلات جد مرتفعة على مستويي الإصابات والوفيات، ما يعني ضرورة إعطاء الأولوية القصوى للحفاظ على صحة وسلامة الناس قدر الإمكان. وفي إمكان البلدان أن تقدم المساعدة من
خلال إنفاق المزيد من الدعم المخصص  لنُظمها الصحية، بما في ذلك الإنفاق على معدات الوقاية الشخصية، وإجراء الفحوص واختبارات التشخيص، وإضافة مزيد من الأسِرة في المستشفيات.

وبينما لم يتم التوصل إلى لقاح لوقف انتشار الفيروس بعد، اتخذت أغلب البلدان الإجراءات اللازمة للحد من انتشاره، كوضع قيود على السفر وإغلاق المؤسسات التعليمية بجميع أسلاكها لفترات مؤقتة وتبني مقتضيات الحجر الصحي، وهي الإجراءات التي وفرت وقتا ثمينا لتجنب الإلقاء بعبء ثقيل على النُّظُم الصحية، رغم أن كل هذه الإجراءات أبانت عن محدودية النتائج المتوخاة في ظل استمرار عدم انضباط شرائح عديدة من ساكنة الدول المعنية بانتشار هذه الجائحة العالمية، للمقتضيات القانونية المعتمدة في هذا السياق وكذا الجوانب الاحترازية والوقائية على المستوى الصحي.

التأثيرات الاقتصادية
أصبح التأثير الاقتصادي واضحا بالفعل في البلدان الأشد تأثرا بتفشي هذا المرض، على سبيل المثال ففي الصين، تراجع نشاط قطاعي الصناعة التحويلية والخدمات بشكل حاد من شهر فبراير حتي شهر أبريل الماضيين، وبينما هبوط النشاط في قطاع الصناعة التحويلية يضاهي مستواه في بداية الأزمة المالية العالمية، يبدو أن تراجع الخدمات أكبر هذه المرة، وذلك بسبب التأثير الكبير الناجم عن التباعد الاجتماعي.

وكذلك انخفض العرض والطلب في العالم على أسهم بورصات شحن المواد الجافة كمواد البناء والسلع الأولية،على غرار ما شهدته أكثر مراحل الأزمة المالية العالمية حدة منذ سنة 2008، بسبب تراجع النشاط الاقتصادي المقترن ببذل جهود غير مسبوقة لاحتواء المرض، وليس لهذا الانخفاض مثيل في فترات انتشار الأوبئة السابقة أو حتى بعد هجمات 11 سبتمبر.

صدمات العرض والطلب
ينطوي الانتشار المهول لوباء فيروس كورونا على صدمات في العرض والطلب، فقد أدى اضطراب نشاط الأعمال إلى انخفاض الإنتاج، مما أسفر عن صدمات العرض، وكذلك أدى إحجام المستهلكين ومؤسسات الأعمال عن الإنفاق إلى انخفاض الطلب. وعلى جانب العرض، حدث انخفاض مباشر في عرض العمالة بسبب إصابة العديد من العاملين بالفيروس وكذلك من جراء تزايد الوفيات، ولكن هناك تأثير أكبر من ذلك يقع على النشاط الاقتصادي بسبب جهود احتواء المرض ومنع انتشاره من خلال عمليات الإغلاق والحجر الصحي، التي أدت إلى تراجع استخدام الطاقة الإنتاجية، فالشركات التي تعتمد على سلاسل العرض قد لا تتمكن من الحصول على القطع التي تحتاج إليها، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الدولي، و على سبيل المثال فالصين هي أحد الموردين المهمين للسلع الوسطية إلى بقية العالم، وبصفة خاصة في مجال الإلكترونيات والسيارات والآلات والمعدات، إذ أدى الاضطراب الذي تشهده بالفعل إلى انتقال تداعياته إلى الشركات التي تنفذ العمليات المتممة للإنتاج، كما ساهمت وستساهم هذه الاضطرابات مجتمعة في رفع تكاليف ممارسة الأعمال، كما أنها ستشكل صدمة سلبية تصيب الإنتاجية وتحُدُّ من النشاط
الاقتصادي في شموليته.

وعلى الجانب الآخر المتعلق بالطلب، تم تسجيل تراجع مستوى الإنفاق نتيجة لخسائر الدخل والخوف من انتقال العدوى وتصاعد أجواء عدم اليقين، بل أدت الأوضاع المرتبطة بتسارع انتشار المرض وعدم التوصل إلى لقاح حتى الساعة إلى إقدام العديد من الشركات على تسريح العمالة لأنها غير قادرة على دفع رواتبها، ويمكن أن تكون هذه الآثار حادة بصفة خاصة في بعض القطاعات كالسياحة والضيافة، كما رأينا في إيطاليا مثلا.

ومنذ أن بدأ البيع البخس في سوق الأسهم الأمريكية، ابتداء من تاريخ 20 فبرايرالماضي، تضررت أسعار أسهم خطوط الطيران بشكل غير متناسب، على نحو مماثل لما حدث في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، لكن الضرر الذي أصابها أقل مما كان عليه الوضع بعد الأزمة المالية العالمية. وبالإضافة إلى هذه الآثار على مستوى القطاعات، فتدهور معنويات المستهلكين ومؤسسات الأعمال يمكن أن يدفع الشركات إلى توقع انخفاض الطلب،مما يؤدي بها إلى الحد من إنفاقها واستثماراتها، وهذا الأمر بدوره سيترتب عنه تفاقم حالات إغلاق الشركات وفقدان الوظائف،ما يعني تهديد الأمن الاجتماعي لشرائح مجتمعية كثيرة على مستوى أقطار العالم.

الآثار والتداعيات المالية
كما رأينا في الأيام الأخيرة، تكاليف الاقتراض يمكن أن ترتفع مع تشديد الأوضاع المالية، نظرا لتشكك البنوك في قدرة المستهلكين والشركات على سداد القروض في الوقت المحدد لها، ومن شأن ارتفاع تكاليف الاقتراض أن يكشف عن مَواطن الضعف المالي التي تراكمت خلال سنوات انخفاض سعر الفائدة ويؤدي إلى تصاعد المخاطر من عدم إمكانية تمديد الديون ومن شأن انخفاض الائتمان أن يزيد من تباطؤ النشاط الناجم عن صدمات العرض والطلب.

وعندما تأتي الصدمات متزامنة عبر عدد كبير من البلدان، قد تزداد الآثار عمقا من خلال الروابط التجارية والمالية الدولية، مما يضعف النشاط الاقتصادي العالمي ويدفع أسعار السلع الأولية نحو الانخفاض، وقد هبطت أسعار النفط بشكل كبير خلال الأسابيع التي تلت انتشار الفيروس في أغلب بلدان العالم وأصبحت أقل بنحو 30% من مستوياتها في بداية السنة.
كما أن البلدان التي تعتمد على التمويل الخارجي قد تواجه مخاطر من التوقف المفاجئ لهذه التدفقات واضطراب أوضاع السوق، الأمر الذي ربما اقتضى التدخل في سوق النقد الأجنبي و اتخاذ إجراءات مؤقتة تتعلق بالتدفقات الرأسمالية.

الحاجة إلى سياسات اقتصادية موجهة
نظرا لأن التداعيات الاقتصادية تنشأ بصفة خاصة عن وقوع صدمات حادة في قطاعات محددة، سيتعين على صناع السياسات تنفيذ إجراءات جوهرية موجهة على مستوى المالية العامة والسياسة النقدية والسوق المالية، لمساعدة الأسر ومنشآت الأعمال المتضررة.

ويمكن استهداف الأسر ومنشآت الأعمال المتضررة من اضطراب العرض وهبوط الطلب لكي تحصل على تحويلات نقدية، ودعم على الأجور وتخفيف ضريبي، بحيث تُقَدَّم المساعدة للناس على تلبية احتياج تهم ولمؤسسات الأعمال لكي تحافظ على سلامة أوضاعها، ما يعني تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعيين، فعلى سبيل المثال، اتخذت إيطاليا إجراءات مختلفة، منها مد المواعيد النهائية المحددة لسداد ضرائب الشركات في المجالات المتضررة ووسعت نطاق تغطية صندوق تكملة الأجور ليقدم دعماً لدخل العمالة التي يتم تسريحها، وقدمت كوريا الجنوبية دعما على الأجور لصغار التجار ورفعت إعانات الرعاية المنزلية والباحثين عن عمل، وألغت الصين مساهمات الضمان الاجتماعي من مؤسسات الأعمال بصفة مؤقتة.

وبالنسبة لمن تم تسريحهم، يمكن زيادة تأمينات البطالة مؤقتا بمد فترتها، أو زيادة الإعانات، أو تخفيف شروط الأهلية للاستفادة منها، وفي حالة عدم إدراج الإجازات لأسباب مرضية أو عائلية ضمن المزايا الاعتيادية، ينبغي أن تنظر الحكومات في تمويلها والسماح للعاملين الذين يصابون بوعكة صحية أو لمن يتولوا رعايتهم المكوث في منازلهم دون خوف من فقدان وظائفهم أثناء فترة الوباء.

وإضافة للسالف عرضه، ينبغي أن تظل البنوك المركزية مستعدة لتقديم سيولة وفيرة للبنوك والشركات المالية غير المصرفية، ولا سيما تلك التي تقرض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي ربما كانت أقل استعداداً لمواجهة اضطراب حاد من هذا القبيل، كما يمكن أن تقدم الحكومات ضمانات ائتمانية موقتة وموجهة لتلبية احتياجات هذه الشركات إلى السيولة على المدى القصير، على سبيل المثال، توسعت كوريا الجنوبية في الإقراض لأغراض عمليات
مؤسسات الأعمال وتقديم ضمانات على قروض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتضررة.
ومن شأن أجهزة ومؤسسات التنظيم والرقابة على الأسواق المالية كذلك أن تشجع على تمديد آجال استحقاق القروض مؤقتا وعلى أساس إطار زمني محدد.

إذن يتأكد أنه من خلال التنشيط النقدي الأوسع نطاقا كتخفيض أسعار الفائدة الأساسية أو شراء الأصول، يمكن رفع مستوى الثقة ودعم الأسواق المالية إذا واجهت السوق مخاطر من تشديد الأوضاع المالية بشكل كبير،بينما لإجراءات التي تتخذها البنوك المركزية الكبيرة تولد هي كذلك تداعيات مواتية على البلدان المعرضة للخطر، والدفعة المالية التنشيطية واسعة النطاق التي تتسق مع الحيز المتاح للتصرف في المالية العامة يمكن أن تساعد على زيادة الطلب الكلي، لكنها ستزداد فعالية على الأرجح عندما تبدأ عمليات الشركات في العودة إلى الوضع الطبيعي.

وبالنظر إلى الانتشار الواسع لهذا الوباء على مستوى عدد كبير من البلدان، والروابط الاقتصادية الواسعة العابرة للحدود، وكذلك الآثار الكبيرة على الثقة والتي تحد من النشاط الاقتصادي وتؤثر على الأسواق المالية وأسواق السلع الأولية، من الواضح أن هناك حجة واضحة تدعو إلى تنسيق الاستجابة على المستوى الدولي، إذ يجب على المجتمع الدولي أن يساعد البلدان التي لديها قدرات محدودة في مجال الصحة لكي تتجنب وقوع كارثة إنسانية، إذ لاحظنا دولا عديدة فقيرة ومحدودة الإمكانيات تركت لتواجه مصيرها المؤلم أمام جائحة عالمية أتت على أخضر زرع البلدان الموبوءة و يابسها.

إلى ذلك نتمنى أن يفي صندوق النقد الدولي بوعده الذي أطلقه مع بداية تفشي فيروس كورونا، من كونه على أهبة الاستعداد لدعم البلدان المعرضة للخطر، من خلال تسهيلات الإقراض المختلفة، بما فيها تلك التي تتيح صرف الموارد على أساس عاجل في حالة الطوارئ والتي يمكن أن تصل إلى 50 مليار دولار لبلدان الأسواق الصاعدة ومنخفضة الدخل. ليبقى السؤال المفصلي: هل استطاعت جائحة كورونا أن تحيي فينا الإنسان، في البعد
التضامني لمفهوم وقيم الإنسانية؟ أم أن منطق الاقتصاد ساد وسيطر على البعد الإنساني، ومن ثم تغليب الأرزاق على الأرواح؟

تمت.


المصادر المعتمدة:
▪︎ مؤسسة  Haver Analytics.
▪︎ حسابات خبراء صندوق النقد الدولي باستخدام قاعدة بيانات المدخلات والمخرجات العالمية.
▪︎ مؤشر ستاندرد آند بورز 500 – خطوط الطيران.

معادلة كورونا: الأرواح مقابل الأرزاق “الجزء الثاني”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *