قتلوه.. قاتلهُم الله !

أعلن التلفزيون المصري الرسمي نبأ وفاة الرئيس محمد #مرسي خلال جلسة محاكمته، يوم الاثنين 17 يونيو 2019، بعد توجيه عدة تهم إليه من ضمنها التخابر مع جهات أجنبية وإفشاء أسرار الأمن القومي أثناء فترة رئاسته! خبرٌ كالصاعقة ولا ندري ما نقول ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربّنا في ظل الذل والهَوان الذي نحن فيه؛ خذلانٌ من القريب والبعيد!
الدكتور محمد مرسي أو “محمد محمد مرسي عيسى العياط”، مهندس ميكانيكي وأستاذ جامعي، يحمل شهادة الدكتوراه في هندسة المواد، وهو أول رئيس مدني منتخب للبلاد، بلغَ من العمر 68 عاما، تَم عزله في انقلاب شهير عام 2013 في مصر والذي جاء بعد مظاهرات 30 يونيو من نفس العام. وبقي معتقلا منذ تاريخ عزله، حتى وفاته في 17 يونيو 2019.
في قاعة المحاكمة وعلى مرأى ومسمَعٍ من العالم أجمع، طلب الرئيس محمد مرسي الكلمة من رئيس المحكمة الذي سمح له بها، وعقِبَ إنهاء مرسي كلمته أصيب بنوبة قلبية توفي بعدها بشكل فوري، ليُنقل الجثمان إلى المستشفى!
مَن قال إنّ السجون والمحاكم مرتعُ المجرمين وحسب؟  لو تحكي الجدران لأخبرتنا عن نجوى المظلومين والمتضرّعين بجسم ضئيل أنهكه البرد والجزع وقلب مِلؤه الإيمان والصبر، عن أفكار الثائرين الذين فضلوا حياةً في زنزانةٍ جثمت عليها الرطوبة والعَتمة على حرية مزيَّفة لا تنفع روحاً حرّة في شيء، عن علماءَ وفقهاء وحكماءَ وعقلاء قضوا حياتهم ونحبهم في زنزانةٍ فقط لأنهم قالوا كلمة حق زعزَعت عرش سلطان ظالم أنساه جبروته أن الحياة لعبة مزيفة ظنّت أنها ستعيش إلى الأبد.
لو سألنا جدران الزنازين لحَكتْ لنا عن شوق رجل لأطفال تركهم صغارا وأنسَته العتمة ملامحهم، عن شوق حارق لأم لا تعرف أين دُفنت فلذة كبدها، عن عروسٍ لم تكتمل فرحتها، عن حنين للسماء الرمادية والزرقاء والشمس ورذاذ المطر ورائحة الخبز الطري وحضن دافىء ينسي جسما هزيلا كل فصول الشتاء الباردة التي مرت ويمتص منه كل ماعَلِقَ به من الظلم المُرّ وهلوسات الليالي اللاّمنتهية.
لا ترفعوا أصابعكم، لا تغلقوا الشاشات، لا تلتفتوا عن الصور، لا تغيّروا الموضوع، لا تُوَاسوا بعضكم، لا تهوّنوا ولا تتناسَوْا، راكِموا المقت والسّواد والغيظ، كدّسوا الأحقاد والكره فلا عفو عن الظالمين ولا مغفرة ولا تجاوز ولا تصالح ولا نسيان.. {ويُذهبْ غيظ قلوبهم}.. قالها تعالَى بعدَ {ويشف صدور قوم مؤمنين}.. ليس بينهما شيء لكن بينهما الكثير، لأن شِفاء الصدر بالفتح والنصر المنتظَر وللمؤمنِ الموجوع المتألمِ متفطّرِ القلب من الحزن والأسى واتصال الكبت والاصطبار والاحتساب، له حقٌ آخر بعد الفتح.
خزيُ العدو ومعايشة ذُلّه وسحلِه والتنكيل به وبأعوانه وزبانيته ومن ناصره باليد واللسان والقلب؛ حق لم يحرّمه الله على عباده ولم يحرِمهم منه؛ بل جعله من توابع الإيمان ولوازمه.
يتبَعُ ذهاب الغيظ شفاء الصدر وكأنه متمّم له، أعمق منه، يُعنى بأشياء كادت تختفي من كثرة التكديس والتجاوز، كل الأذى العظيم القديم، كل المآسي والتضحيات، كل السخرية والاضطهاد والتهجير والتجويع والقصف والتّرميل والتيْتِيم.
شطرٌ ثان يقول لنا، لا تُذهِبوا غيظكم الآن، الله يُذهبه في حينِه، دعوه يلتهب فيأكل كل شيء من دوافع الالتفات ونزعات التسليم والتنازل عن القضية والحق، دعوه يتمكّن حتى يصبح حلمكم الذي يحرمكم النوم وأمَلَكم الذي يحرِق الباطن فيشرق ظاهرا مستحقا لصفة “مؤمنين”، مؤمنون بالقضية والطريق؛ بأن الأذى فرض عَين؛ بأن شفاء الصدور آتٍ، وأن القلوب المكلومة على موعد لن تُخلفَه مع حقٍّ ستُحصّله..
فالحزن الحزن، دعوا قلوبكم تغلي فالغليان يكشف البواطن ويحرق السفاسف ويثبّتُ الأصول ويذيب الشوائب ويبخّر الزيوف وينصبُ قبسَ الوضوح وشعلة المفاصلَة لينبعثَ جندي الرّوح من جبلِ الطّور ويمضي رسول القلب والقيمة ليُمضى على يده الأمر المسطور؛ “بِأَيْديكم”..
إن أمثال الدكتور مرسي لم ولن يموتوا أبدا، فكيف يموت من صدَقوا ما عاهدوا الله عليه، ساروا على الدرب إلى أن اصطفاهم ربهم.. كيف يموت التاريخ المخطوط بالدم، المعبّد بالعزة والإباء، المنقوش على صفحات القلوب جيلاً بعد جيل، كيف يموت من زرع الصدق ونثر الحب، وفدى الوطن بالعلم والجهد وأحيا معنى الشهامة والبطولة، وشكل العِرق النابض المتبقي من أمة قضت منذ عقود كالضرير المقعد على كرسي متحرك تنهش في بعضها البعض..
إنَّ من يموت فعلًا هو الجسد العابر، ومن يُنسوْن هم من لم يتركوا بعد رحيلهم أثرا يُذكرون عليه، أو موقفا يُحسب لهم، فليس لهم في سجل التاريخ من سطرٍ ولا حتى كلمة، ناهيك عن أولئك الذين باعوا الأرض قطعة قطعة، باعوا كل مبادئ الأمة المتوارثة وخلّفوا من العار والذل ما يقطع القلب إربا إربا، فهؤلاء لا يتردد التاريخ لحظة واحدة من أن يلفظهم إلى العدم كما يلفظُ البحر قاذوراته وأوساخه.
تقبّل الله الرئيسَ شهيدًا واللعنة على قاتليه بالسجن والظلم والاضطهاد وسلب الحقوق، يرحل عنا وهو حاضر في وجداننا إلى يوم الدين أسداً صامدا ورئيسًا شرعياً شريفا جنت عليه عدالته؛ كما قالَ بدر “بمخلَبِ عدلِهِ صُرِعَ انتشابا”..
أما للشامتين فنقول؛ إن كنتم قد عجزتم عن هزيمةِ “مظلومِيَّتنا” في سيّد قطب؛ فهنيئا لكم بسيِّدٍ شهيد آخر تُصدِّع ذكراه رؤوسكم وقلوبكم.
لقد كانَ درباً صعباً منذ بدايته، ماتَ دونَه كثيرون مِمَّن اختاروا إمَا أن ينصروا الحق أو أن يموتوا شهداء في سبيل الله.
لن نكابِر كثيراً؛ فنحن وإن كنّا نحمدُ الله أنّكَ مُتَّ ثابتاً وأنَّكَ أنهيتَ العمر بشرفٍ وكرامة، إلّا أنّ الأعين لتدمع وإن القلب ليحزن عليكَ إذ مُتّ في سجنكَ.. على رفاقكَ الذين يتلقون الخبر وهم في معتقلاتهم.. على عائلتكَ التي حرموك إياها حياً وميتاً.. على الثورةِ التي كانت في أرواح كثيرين أملاً.. علينا إذ نرى قهر الرجال جهراً.
يا سيّدي الشهيد، مَن مات دون وطنه وبلاده شهيدٌ نحسبه عند الله: لقد تعلّمنا أن إذا سمعنا خبر استشهادِ مَن نحسبهم مِن أهل الحق والصلاح، جددنا العهد أن نسيرَ وفقَ ما ساروا عليه.. واليوم يا سيّدي تُحيى بكَ هممٌ ماتت، ألّا نتنازل عن مبادئ الحق مهما كان الثمن.
لقد سُمِعَ الحجاج بعدما قتَلَ سعيد بن جُبير ظلماً يصرخ كلّ ليلة: “مالي ولسعيدٍ بن جبير”.. فعسى الله أن يرينا بالظالمين يوماً نرى فيه عجائب قدرته في الدنيا قبل الآخرة، إلى أن يتحقق قول الله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ “.
أخيرًا، أقول لا تدَعُوا ذكرى الشهداء تمر عليكم مرور الكرام؛ تتبعوا أنوارهم وتفاصيلهم فإن نال هذه الأمة ضعف فلترابط قلوبكم على القوة وإن فتُرت أو وهنت وضعفت فلا تفتُر أرواحكم وقلوبكم أبدا.. سلام على الشهداء..إيمانٌ مع الصبر، وانتظار مع السّعي، ويقينٌ وشوق ليوم العبور والغرَق، ـ لينا بالقلب واليد لها يَوم و “وَلْيَجِدُوا فِیكُمْ غِلْظة” بالقلب واليد لها يوم واليوم يوم غيْظٍ وغلظة.
بإذن الله، زال التعب سيّدي، وانتهت الرحلة وطاب الوصول.. وعند الله تجتمع الخصوم!
 

* ملاحظة : مضمون التدوينات والآراء الواردة فيها لا تعبّر بالضرورة عن رأي مدونة “زوايا”، ولا تعكس وجهة نَظر فريقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *