أئمة المذاهب الأربعة.. هارون الرّشيد مؤسس “بيتِ الحكمة”، والرّحالة المسلم الذي كتبَ عن روسيا #27

الأئمّة الأربعة

مِن خِيرة العلماء رحمة الله عليهم؛ وهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن
أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن محمد بن حنبل، هؤلاء هم الأئمة الأربعة.
أئمة يتلمّسون الحق والسُّنة ويعتنون بذلك، وفتاواهُم مدارُها الكتاب والسنة،
يَتحرَّوْن الأصول التي دل عليها الكتاب والسنة، وعلى ما ثبت عن الصحابة من
الفتاوى.
ولعلنا نعلم أن كل واحد قد يخطئ وقد يصيب، ولا يوجد أحد معصوم من الخطأ.
في هذا الصدد، يقول الإمام مالك بن أنس “إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظُروا في رأيي،
فكلّ ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاترُكوه
“.
1.      أبو حنيفة النعمان بن ثابت
الكوفي
، فقيه وعالم مسلم، وأول الأئمة الأربعة عند
أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي. اشتُهر بعلمه الغزير
وأخلاقه الحسنة، حتى قال فيه الإمام الشافعي: «من أراد أن يتبحَّر في الفقه فهو
عيال على أبي حنيفة
». كان معروفاً بالورع وكثرة العبادة والوقار والإخلاص وقوة
الشخصية. كان أبو حنيفة يعتمد في فقهه على ستة مصادر هي: القرآن الكريم، والسنة
النبوية، والإجماع والقياس والاستحسان والعُرف والعادة.
2.      أبو عبد الله مالك بن أنس بن
مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني
، فقيه ومحدِّث مسلم، وثاني الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة وصاحب
المذهب المالكي في الفقه الإسلامي. اشتهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي
وتثبُّته فيه، وكان معروفاً بالصبر والذكاء والهيبة والوقار والأخلاق الحسنة، وقد
أثنى عليه كثيرٌ من العلماء منهم الإمام الشافعي بقوله: «إذا ذُكر العلماء
فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين». ويُعدُّ كتابه
“الموطأ” من أوائل كتب الحديث النبوي وأشهرها وأصحِّها، حتى قال فيه
الإمام الشافعي: «ما بعد كتاب الله تعالى كتابٌ أكثرُ صواباً من موطأ مالك
». وقد
اعتمد الإمام مالك في فتواه على عدة مصادر تشريعية هي: القرآن الكريم، والسنة
النبوية، والإجماع، وعمَل أهل المدينة، والقياس والمصالح المرسَلة والاستحسان
والعرف والعادات وسدّ الذرائع والاستصحاب.
3.      أبو عبد الله محمد بن إدريس
الشافعيّ المطَّلِبيّ القُرَشي؛
هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في
الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير
وعلم الحديث
، وقد عمل قاضياً فعُرف بالعدل والذكاء. إضافة إلى العلوم الدينية،
كان الشافعي فصيحاً شاعراً، ورامياً ماهراً، ورحّالاً مسافراً. أكثرَ العلماءُ من
الثناء عليه، حتى قال فيه الإمام أحمد: «كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية
للناس
»، وقيل إنه هو إمامُ قريش الذي ذكره النبي محمد (ص) بقوله: «عالم
قريش يملأ الأرض علماً
».
4.
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل؛ فقيه ومحدِّث مسلم، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب
المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي. اشتُهر بعلمه الغزير وحفظه القوي، وكان معروفاً
بالأخلاق الحسنة كالصبر والتواضع والتسامح، وقد أثنى عليه كثير من العلماء منهم
الإمام الشافعي بقوله: «خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحداً أورع ولا أتقى
ولا أفقه من أحمد بن حنبل
»؛ ويُعدُّ كتابه “المُسْنًد” من أشهر كتب
الحديث وأوسعها.

العبادِلة الأربعة

لفظ “العبادلة” يطلق على أربعة من صغار الصحابة، اشتركوا في اسم “عبد
الله”، كما جمعوا عِلماً واسعاً، وكان مدار العلم والفتوى والرواية حولهم وذلك لتأخُّر وفاتهم؛
وهم:
1.      عبد الله بن عباس
بن عبد المطلب
بن هاشم وأمه لبانة الصغرى أخت ميمونة بنت
الحارث الهلالية أم المؤمنين.
2.      عبد الله بن
الزبير بن العوام
بن خويلد ابن أسد بن عبد
العزى بن قصي، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي بن كلاب وأمه أسماء بنت
أبي بكر بن أبي قحافة.
3.      عبد الله بن عمر
بن الخطاب
، يجتمع مع نسَب النبي صلى الله عليه وسلم
في كعب بن لؤي، وأمه زينب بنت مظعون القرشية من بني جمح.
4.      عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن عمرو.

هارون الرشيد

اسمٌ لمَع في تاريخ الإسلام وشخصية عِبرَةٌ في القوة والعزم؛ إنه هارون
الرشيد الخليفة العباسيّ الخامس للمسلمين. كان يُكنَّى بأبي موسى، ثمّ أصبح يُكنّى
بأبي جعفر. وُلِد هارون الرشيد في مدينة الريّ، لوالديه: المهديّ، وأمّ الهادي،
وقد نشأ هارون في كنفِ والده الخليفة؛ فاهتمّ بتعليمه، وتثقيفه لغةً وأَدَباً، كما
زَرَعَ فيه حبّ الجهاد، فنشأ شجاعاً وقويّاً، كما أنّ والده أرسله إلى الفتوحات
وحوله قادةٌ أكفاء لتعليمه.
بعد وفاة الهادي؛ وهو الأخ الأكبر لهارون الرشيد، انتقلَت الخلافة إليه،
فتولّاها سنة 170هـ/786م ليُصبح خليفةً على إمبراطوريّة تمتدّ من وسط آسيا حتى
المحيط الأطلسيّ، وهو لا يزالُ في الخامسة والعشرين من عُمره، حيث عَيّنَ هارون
الرشيد يحيى البرمكيّ وزيراً له، علماً بأنّ خلافة هارون الرشيد كانت مكسباً
للأمّة الإسلاميّة وذلك بسبب أعماله العظيمة التي قدّمها للأمّة، فقد قِيل إنّ
فترة خلافته هي الأفضل خلال فترة الخلافة العباسيّة التي دامت خمسة قرون. ومن أهمّ
ما قدّمه الخليفة الرشيد في فترة حُكْمه:
·
الارتقاء بالعلوم، والفنون، والآداب.
·       كثُرَت أموال الخَراج حتى بلغت ذروتها؛ إذ بلغت ما مقداره 400 مليون درهم، بحسب
تقدير بعض المُؤرِّخين، لتُشكِّل أعلى مبلغ في تاريخ الخلافة الإسلاميّة، وقد
كانَت النقود تُجمَع دونَ أيّ اعتداء أو ظُلم، وكانت تُنفَق بصورة تَخدمُ الأمّة.
·    تشجيع رجال الدولة في زمنه على بناء الأحواض، وحَفْر الأنهار، وشَقّ الطُّرُق،
وبناء المساجد، والقصور الفخمة، والمباني الجميلة.
·
نُموّ الدولة، واتّساع عمرانها، وازدياد عدد سكّانها؛ حيث بلغَ مليون نسمة.
·
استقبال البضائع في بغداد، والمجيء بها من كلّ مكان، حتى أصبحت أكبر مركز
للتجارة في الشرق في عَهْده.
·      ازدهار العِلم حتى أصبحت بغداد مركزاً للعِلم، والعلماء؛ حيث كانت المساجد
تُشكِّلُ ما يشبه جامعاتٍ لطلّاب العِلم الذينَ يتلقَّونَ العِلم من أكابر
الفُقَهاء والمُحدِّثين والقُرّاء، كما كانَ يأتيها الأطبّاء والمهندسون من كلّ
مكان.
·        إنشاء هارون الرشيد لمكتبة تَضمُّ أعداداً ضخمة من الكُتُب، حيث أطلقَ عليها
اسم “بيت الحكمة”.

أحمد بن فضلان.. مكتشِف، جغرافيٌّ وكاتب

منذ القرن الثالث الهجري، طاف الرّحالة المسلمين أرجاء العالم ووصفوا بلاد
المشرق والمغرب من الصين إلى الأندلس وذكروا حال الشعوب وتقاليدها وعقائدها ووصفوا
حال البلاد وطُرُقها. ومما لا شك فيه أن أحمد بن فضلان برحلته إلى بلاد الترك والروس
والصقالبة قد بلغ موضعا لم يبلغه رحالة إسلامي قبله، وتعتبر وقائع رحلة ابن فضلان
كما دوّنها في رسالته إلى الخليفة “المقتدر بالله”، ووصف فيها بلاد الترك والبلغار
والروس والخَزَر وأيضاً البلاد الإسكندنافية. وهو مِن كتب الرحلات المهمة عند العرب، إذ
أضاءت تلك الرسالة ثغرة كبيرة عن الماضي البعيد لتلك الشعوب، وقدّمت للروس إضاءة
حقيقية لماضيهم البعيد، وأنارت في صفحات واسعة أساليب حياتهم في الزمن الغابر
بأمانة ودقة نادرين، لذلك فقد عنوا بترجمتها ونقلوا فصولاً عنها إلى لغتهم. وقد
ذكر المستشرق الألماني “فراهن” في تقديمه لابن فضلان في اللغة
الألمانية: «إذا كان الغرب قد أغفل روسيا فإن العرب تحدثوا عنها، فألقى العرب
أنواراً كثيرة على تاريخ الغرب القديم، وأدلَوْا بمعلومات ناقصة، وخاصة عن البلغاريين وروسيا في العهد البعيد
».
وقد بدأ الاهتمام بالرحلة
على أيدي المستشرقين الروس باعتبارها من المصادر النادرة للتعريف بالملامح
الجغرافية لتلك المناطق في وقت لم يكن تاريخ روسيا وما جاورها معروفاً في العصور
القديمة والوسطى. ومن ثم تعد هذه الرحلة من أقدم ما قُدّم من معلومات خاصة عن
بلغار الفولجا فليس هناك من سبق بن فضلان إلى هذه البلاد.
يُـتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *