ليس الأول ولن يكون الأخير

رسالة لكل أب وأم

الأكثر حظا منا استفاق على الخبر، والأقل حظا احتساه ليلا طويلا يتخبط بين الكوابيس، بين عدنان وصرخاته، بين آهات أم وصرخات أب، بين حلمه الذي تبخروآماله التي انصهرت.

من اللحظات القليلة جدا على هذا الفضاء الهش جدا التي نكون فيها يدا واحدة أو صوتا واحدا، نؤجل مسرحياتنا وصراعاتنا وتفاهاتنا الحميدة، نجتمع حول جرح نعٍي جيدا أننا قد نصبح مالكيه يوما. إلا بعض الأصوات التي اختارت لنفسها أن تكون هامشا، صوتا مبحوحا ركيكا لكن مؤثرا في توسيع رقعة الجهل وإلغاء ملَكة العقل، وقبل كل هذا تمزيق وسام الإنسانية.

طيلة أسبوع تسللت صورة عدنان الطفل إلى دواخلنا، ندعو تارة الباري تعالى أن يعود، نشارك تارة صورته هنا وهناك، ونهرب أحيانا كثيرة من كل هذا أملا منا أنه بمجرد أن نفتح الشاشة من جديد ستستقبلنا صورة رجوعه محفوفة بالزغاريد والفرح وبداية حلم جديد.

بعيدا عن كل الأسئلة التي تغمرنا جميعا، كيف بدأ كل هذا؟ كيف تطور وكيف وصل إلى هنا؟ كيف تكاثر وأصبح ينهش أرواحا طرية؟ هل من الصائب الإنجاب اليوم أم من الحميد جدا إلغاء الفكرة إلى الأبد؟ كيف أتعامل وما الحل؟كيف أعرف أنني أواجه مجرما؟ كيف يهدأ قلب الأم اليوم؟ وكيف للأب أن يكمل من حيث توقف؟ كان يبحث عن ابنه هناك وهناك كما نذكر جميعا.

مهما استفزتنا الأصوات المبحوحة وشعرنا بالاستفراغ ولعن كل هذا، هناك بعض الأمور التي يجب أن تغدو بنودا تمارس كل يوم دون كلل أو ملل، تلقى من طرف الوالدين. حاولوا خلق الثقة بينكم وبين فلذات كبدكم، كونوا الأذن المستمعة واليد المربتة والموقف المؤيد، لا تكونوا واجهة للنفور والصراخ واليد الممتدة للصفع والضرب وهدم ملامح الثبات، ومن ثَم تكوين شخص هش، يأتي عليه يوم يهرب منكم للآخرين لأنكم لم تكونوا الأمان اليوم الأول.

حين تجعل منك مهربا لابنك سيصب لك كل ما عاشه في اليوم، سيصف لك ما تعرض له، ما رآه وما باغته وما تسلل إلى داخله عنوة؛ يمكن حينها تدارك الكثير من الأمور ولملمة ملامح طفلك وردع الأصابع بل وقطعها إلى الأبد.

كونوا الظل والغيمة المصاحبة، والأجوبة والدرع الواقي والمنقذ، تخلصوا من المفاهيم التي توارثناها دون فهم وجعلنا منها قانونا أصبح اليوم جدارا غليظا بينكم وبين فلذات كبدكم، جعلت منكم اليوم داخل حلبة فرضت عليكم دائما أن الفوز ضروري ولو على حساب أبنائكم، لأن الصحيح هنا يعني الصرامة والأمر والحنو والعطف تقليل من شأن الوالدين وسبيل لتمرد الأبناء.

استندوا على أسس منطقية تخاطب العقل والروح أولا، وانفضوا عنكم كل الأمور التي اختاروها عنكم. سنوات النية وترك الأطفال عند الجيران أو العائلة أوحتى بالبيت مع شخص تحسبانه أهلا لذلك ولت منذ زمن طويل، فغدا كل شخص محط التساؤلات والشك وخفض سلم التوقعات وانتظار انفجار الجانب المكبوت منه في أي لحظة.

دفع ابنك لتقبيل الجميع وعناق الجميع والخروج مع الجميع لكي يتم نعتك بالأب الذي يصنع أبناء اجتماعيين يبتسمون للجميع ويرحبون بالجميع، أو أنك أم تحبين الناس والجلسات الطويلة وبالتالي بنات اجتماعيات لا يخاف منهن لأن الانطوائي أو صانع الحدود المشروعة مع الآخر منبوذ على هذه الضفة، (دفع) لم يعد أمرا محمودا، فليس كل من لا يقطن مع الطفل عمه وكل من يلتقيها مرة في الأسبوع خالته.

كفانا من هذه النعوت المدرجة على دستور التربية الحسنة، أو على الأقل أخبروهم أن نعت العم من الأدب وليس من الثقة فحتى العم الشقيق اليوم لم يعد يوثق به.

عدنان الطفل ليس الضحية الأولى ولن يكون الأخيرة، إنما هو قصة من بين القصص القليلة التي وصلتنا اليوم.
التغيير آت بالاتحاد لأجل غد أكثر أمانا لكن عامل الوقت موجود، الوقت يعني المزيد من الضحايا والأجنحة المقصوصة، المزيد من الأحلام المبخرة والجراح التي لن تلتئم أبدا.

ليس الأول ولن يكون الأخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *