وجهةُ نظر في الفقه الإسلامي

الفقه الإسلامي مَرتع خِصبٌ للدراسة، به مناهلُ ومشاربُ متعددة في روافد كثيرة تستحق تعميق النظر فيها، أو على الأقل الالتفات إليها بـنِيّة البحث الصادق خدمة للمعرفة، واستجلاءً لما بقي من فتات هذه الهوية الثقافية المهزوزة المنكسرة؛ وعلى هذا الأساس يجب أن نعترف بأن العجز فينا إذ لم نستطع أن نعمد إلى الفقه الإسلامي ونبلوره في شكل يليق بالحمولات النظرية والواقعية التي تأسّس عليها، واكتفيْنا بتبنّي ما نظر فيه غيرنا، وآمنَّا بمحدودية الفقه الإسلامي وعدم مواكبته للتحولات الاجتماعية، وهذا عيْنُ الزلل والخطأ، مع العلم أن مواقف الفقه الإسلامي في مواضعَ عديدة كانت أكثر تحقيقا للعدالة أقربَ منه لنظريات الفقه القانوني.
الحقّ يقال، إن ما يؤرّق في الفقه الإسلامي اهتمامه بتمحيص النوازل أكثر من صياغة النظريات، ولربما هذا سبب يُنفِّر الباحث من الخوض في دهاليز متشعبة بالآراء الفقهية المتضاربة بين المدارس والمذاهب، ولِمامًا ما تجد الفقه الاسلامي قد جمع نظرية موحدة لمسألة واحدة، لكن هذا مردُّه سياقه التاريخي الذي كان فيه الأوْلى الانكباب على حل تفاصيل حياة الناس، لا سيَما أن الأعراف كانت غالبة في حل المنازعات التي كان يُنظر إليها في ذاتها، وانطلاقا من جوهرها، ولا فائدة في وضع أحكام عامة لن يرجع إليها، ومآلها العدم..
ورغم أن الكثير عاب على الفقه الإسلامي اعتمادَهُ هذا المنهج، لكن هذا ليس عذرا يُحتج به لهجر الفقه الإسلامي وشن القطيعة معه، بل إن الفرصة مواتية الآن أن نجنحَ إلى أساسياته ونحاول صوْغها نظرياتٍ تقوم مقاما يُحتَكم إليه، حتى وإنْ كان اختيار نوع من الفقه لا رجعة فيه؛ فإننا على الأقل سنجد فِقهاً حديثاً غيرَ نسَقي، من بُنَيّات أفكارنا نقارن به ونستدل بمواضع قوته ونطور مكامن الهوان فيه.
ولئن كان البعض يقول بأن فقه النوازل والجزئيات منهج ضعيف، فإني أعتقد بأن هذه نصف الحقيقة، ونصفها الآخر أن اليد التي دفعت للقول بهذا ليست ذات اليد التي ألزمتنا بالبحث وتطوير المعرفة، فلماذا نغوص بحثاً في الفقه الأجنبي والمادة الخام عندنا مركونة ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *