fbpx

لماذا يصنعون من فلذات أكبادهم مشروعا اقتصاديا

عن عمالة الأطفال بالوسط القروي

للأسف الشديد لا زالت أغلب الأسر في عالمنا القروي تضطر -تحت ضغوطات الفقر والهشاشة الاجتماعية- لأن تستغل فلَذات أكبادها استغلالا فظيعا في مختلف أطوارهم العمرية بدءا من الصغار مرورا بالقاصرين والمراهقين وانتهاء بالبالغين، حيث تفرض عليهم مزاولة مختلف أنشطتها الاقتصادية من حرث وزراعة وحصاد وري لحقول الغلة ورعي للماشية وحمل الأثقال على البغال والحمير وقطع مسافات غير قصيرة بها، معتبِرة كل ذلك من حقوقها عليهم التي إن تركوها كانوا بحكم العرف والعادة عاقِّين لآبائهم ومقصرين في حقهم؛ بل هناك الكثير من التلاميذ والطلبة ينقطعون عن متابعة دراستهم لهذا السبب، والقليل منهم الذي يستمر في متابعة دراسته حيث يفتقر في محيطه الأسري والاجتماعي لأدنى شروط التعلم الناجح، يأتي في مقدمة ذلك غياب تفرغه للتحصيل المعرفي نتيجة إقحامه في مزاولة أعمال فلاحية شاقة يصعب عليه جدا التوفيق بينها وبين دراسته، فتجده يعيش معلقا بين سماء أحلامه وبؤس واقعه.

ولعل هذا الاستثمار اللامشروع في القوة العاملة للأولاد يعتبر من بين العوامل المهمة في الانفجار الديموغرافي للأسرة القروية التي لا يكون تأسيسها مكلِّفا بالمرة نتيجة هذه الأوضاع، بل ربما يكون مُربِحا نظرا لكون الناشئة القروية تشرع في الإسهام والمشاركة في إعالة نفسها وأهاليها منذ أن يكونوا أطفالا صغارا بالكاد يقوون على حمل قارورة ماء يسقونها من عيون القرية وآبارها، ثم ما يفتؤون أن يكبروا في العمر حتى تناط بهم مهام وأعمال أخرى تناسب أطوارهم العمرية، وبعد البلوغ يُزوَّجون من طرف آبائهم وبدورهم يصيرون آباء وأمهات فيتعاملون مع أولادهم بنفس الطريقة التي عاملهم بها آباؤهم من قبل، وهكذا يتم إعادة إنتاج نفس الأفكار والأنماط الاجتماعية للحياة القروية، الأمر الذي يقف في وجه كل إصلاح أو تغيير تجاه الأفضل.

بالإضافة إلى عامل آخر ربما يكون أكثر خطورة من سابقه يتمثل في الإنجاب العشوائي الذي لا ينم عن الإحساس بمسؤولية الإنجاب وتبعاته بل ربما يتم بطريقة غير مبالية لا تسبقها نية في الإنجاب أثناء عملية المضاجعة أو قبلها تحدد رغبة الزوجين في الولد أو تنفيها، بل تكون الأولوية للمتعة الجنسية واستيفاء الشهوة كاملة ولا يباليان بعدها بحصول حمل أم لا، ولا أدري ما الذي يمنع هذه الأسر من تنظيم نسلها بما تسمح به ظروفها الصحية والاقتصادية والاجتماعية؟ هل هي العشوائية التي لم تترك مجالا في هذه المجتمعات إلا وسكنته؟ أم هناك موقف مسبق ضد استعمال موانع الحمل سواء التقليدية منها أم الحديثة؟ أم للأمر علاقة -أولا وأخيرا- بغياب مؤسسات التوعية في هذه المناطق النائية؟ مما يجعل المجتمع القروي في النهاية يحصل على كثير من الأطفال كانوا في الأصل غير مرغوب فيهم من قبل آبائهم الذين هم أقرب الناس إليهم أو على الأقل أن وجودهم في الحياة لم يكن مقصودا لدى أبويهم، وهذه تكون بداية النكبة.

والعجيب الغريب أنه بدل أن يتم توظيف الدين لمحاربة هذه الظاهرة الاستغلالية وما يخدمها من الإنجاب الناجم عن دوافع غير مشروعة، فإنه يوظف لحمايتها على أساس أنها تندرج ضمن بر الوالدين الذي أوصى الله به من فوق سبع سماوات، والتذكير دائما بحقوق الآباء على أولادهم دون أي ذكر لحقوق الأولاد على آبائهم، واعتبار الزواج شيئا مطلوبا رغم فقدان الأهلية الشرعية للراغبين فيه، والغلو الزائد في فكرة أن رزق المولود يولد معه إلى غير ذلك من التوجيهات الشعبية المُغرِضة، مع التجاهل التام لكل تعاليم الشريعة ومقاصدها التي تَعتبِر أن عملية الإنجاب من أصلها تكون لصالح المولود أكثر مما تكون لصالح الوالد، كما تُلزِم رب الأسرة بإعالتها على ما يقتضيه واجب القوامة حتى يكبَر الأولاد ويصيروا قادرين على تحمل مسؤولياتهم، دون أن تغفَل مقصد إشباع الرغبة الجنسية وتحقيق المتعة الحلال، ثم ما يترتب على ذلك من الإحصان وخلق الاستقرار النفسي لكلا الزوجين وإعمار الأرض بالنسل الطيب.

فبأي حق إذن يستغل رب الأسرة القروية فلَذات كبده في القيام بأنشطته الاقتصادية المختلفة مع أن مسؤولية الأسرة كلها ملقاة على عاتقه طبقا لما يقتضيه واجب الشرع والقانون؟! أم أن الخلط الواقع لديه بين الحقوق والواجبات جعله يفقد التوازن في تعامله مع أولاده؛ فلا هو عرف حقوقه المشروعة فيقف عند حدودها، ولا هو عرف واجباته الشرعية فيؤديها على أكمل وجه؟!

بيد أنه من الإنصاف القول إن الأسرة القروية المعاصرة ليس لها من هذه الظاهرة الاستغلالية إلا حظ التقليد والتبعية، ذلك أن أرباب هذه الأسر آباءَ وأمهاتِ بدورهم وقعوا ضحية هذا الاستغلال من طرف آبائهم من قبل؛ مما يعني أن هذه الظاهرة ظلت ولا زالت تمثل نظاما اجتماعيا واقتصاديا فرضته ظروف جغرافية وثقافية ليس من السهل إزاحته بين عشية وضحاها، فطبيعة العمل القروي الشاقة لا تخفى على كل زائر للقرية فضلا عن القاطن فيها، فهو عمل ذو صيغة جماعية من الصعب انفكاكه عنها، يقتصر فقط على الفلاحة التقليدية المعيشية التي بالكاد تحفظ لأصحابها قوتهم اليومي، يفتقر للمكننة وكل آليات الفلاحة التي جادت بها التقنية المعاصرة، فكان من الطبيعي أن يعتمد على الجماعة وأن يكون لها دور كبير في إنجاحه لدرجة أن الأسرة القروية الأكبر عددا في أفرادها هي الأكثر عزوة وحظوة بين نظيراتها من الأسر.

لكن مع سرعة التغير الاجتماعي الذي عرفه المجتمع القروي المعاصر صار من العسير جدا على أفراد الأسرة أن يستمروا في مزاولة هذا العمل الأسري المشترك، لأنه لم يعد يحقق لهم أي مصلحة مشتركة كما كان في السابق، بل ربما ألحق ضررا ببعض أفرادها لصالح آخرين، فمن الأجيال القروية الصاعدة من يتابع دراسته في مختلف المدارس والجامعات على تنوع  مستوياتها وتخصصاتها وليس له وقت كاف حتى يكون شريكا في هذا العمل الذي وجد نفسه شريكا فيه دون أي عقد أو اتفاق مسبق، فلمجرد أنه ينتمي لأسرته كان كفيلا بضمان شراكته في عملها، كما أن من هذه الأجيال الصاعدة الغير المتمدرسة مَن لا يجد في مهن القرية أي إثارة تحمله على مزاولتها لشدة ضآلة مردوديتها من جهة، ولتأثرهم بمعطيات زمانهم المُعوْلم من جهة أخرى، مما أحدث فجوة كبيرة بين البنيات الفوقية والتحتية للمجتمع القروي المعاصر، لا يمكن سدها أو التقليص منها إلا بنهضة صادقة من طرف شباب القرية أنفسهم لأجل تطوير وسائل عيشهم وسعيهم لتغيير مجتمعهم نحو الأفضل.

وختاما فإنه من الواجب على أرباب الأسر القروية أن يقروا أن هذه الظاهرة الاستغلالية التي تستثمر في القوة العاملة للأولاد قد فقدت صلاحيتها ولم تعد تناسب مقتضيات العصر الحديث، وأن يتفهموا وضعية أولادهم ومختلف التحديات التي يواجهونها، ويكونوا سندهم الأول بعد الله تعالى بدل الوقوف في طريقهم وإلزامهم بوظائف لا تناسب أذواقهم ولا يرتاحون لها، وليحذروا كل الحذر أن يحرمهم تعلقهم الشديد بأراضيهم الزراعية وأنشطتهم الفلاحية من لذة العلاقة الطيبة التي تربطهم بفلَذات أكبادهم، وليتذكروا دوما أن الأولاد عندهم أمانة ما خلقوا للاستغلال والإهانة، وليسترشدوا بالمقولة المأثورة عن علي كرم الله وجهه: “لا تُكرِهوا أولادَكم على آثارِكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”.

لماذا يصنعون من فَلَذات أكبادهم مشروعا اقتصاديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله