الحياةُ اختَزلتْ عمقها في أبـي

الأب كلمة عظيمة، وعندما نذكر الأب فإننا نتكلم عن الأمان في هذه الدنيا والقلب الحكيم الذي لا يتوارى عن عطفه وحنانه تُجاه أبنائه في كل مكان وزمان وتحت أي ظرف كان، الأب هو السند الذي يمكن أن نعتمد عليه دون أن نشك في مدى مصداقيته. الأب هو الصديق الوفي عند الشدائد، والناصح بالحسنى عند الأزمات، يحزن لحزن أبنائه ويفرح لنجاحهم وتفوقهم، وبين كل الصفات التى يتحلى بها تجد صفة الإنسان الجاد والمُكِدّ والصابر الذي يسعى بكل إمكانياته إلى تحقيق مستقبل فلذات كبده دون شكوى أو ملل.
أبي أكثرُ مَن عرفتُ ذكاءً ولطفا وخلقا. منذ الصغر اعتاد أن يكلفني بإنجاز بعض المهام التى كانت تبدو لي في ذلك الوقت ثقيلة نوعا ما نظرا لصغر سني، لكن كلما مرّ الوقت وزاد نضجي ووعيي بالحياة أدركت أنها لا ترحم من لا مسؤولية له. فهمت أن كل ما كان يُقْدم عليه أبي كان من باب التخطيط ليوم موعود لا هروب منه، يوم أقف وجها لوجه أمام تحديات ومسؤليات الحياة القاسية. 

وجود الأب هي نعمة من الله تتجلى علينا بعطفه وحنانه وسهره ليالٍ طوال حتى لا ينقصنا شيء. كان أبي دائما قدوة أفتخر بها أمام الجميع، كان محاربا شرسا لا يعرف للاستسلام عنوانا؛ مهما جرت الأقدار ومهما قست الظروف كان صابرا لا تجد للشكوى في قاموسه مكاناً.

 
مِن أبي تعلمت معنى الحياة ومعنى أن أتشبت بأحلامي مهما بدت صعبة وبعيدة الأمد، فقد كان أبي، وكلما أتيحت له الفرصة، يمسك بيدي ثم يسلك بي دروب الحياة دون الحاجة لأن يتكلم، وأن يعلمني كيف أعيش فقد عاش وتركني أشاهده وهو يفعل ذلك، فكنت أقتنص تلك الدروس وأحفظها عن ظهر قلب لأني كنت على وعي تام أنه يوما ما ستضعني الحياة في موقف الممتحن وعندها يجب أن أستظهر ما حفظته. 
أبي لم يكن من النوع الذي يلقي خطابات طويلة، فهو كان ولا زال رجلا ذا مواقف وكان يكتفي بتلك المواقف التى تقول كل شيء. 
لقد مررت بمحطات كثيرة من الفشل، وكنت أجد أبي دائما بجانبي لم يشك يوما في عزيمتي وطموحي، بل على العكس كان أول من يحاول جاهدا أن يرفع من معنوياتي عند كل سقوط لأنه يؤمن أن النجاح لا يأتي بالصدفة ولا من فراغ ولا مكان للحظ في هذه الطريق، وأن من أراد بلوغ أهدافه وجب عليه أولا أن يقبل بالفشل فما الفشل إلا فرصة جديدة للبدءِ بطريقة مختلفة وبعقلية أكثر نضجا. كان دائما ما يردد على مسامعي كلمات فيها من الحكمة الكثير كان يقول لي : إذا تمعنت في كل تلك العثرات التي مررت بها ستجدها رسائل إلهية مصفوفة، وإذا قرأت ما بين سطورها جيدا ستخرج بنتيجة واحدة مفادها أن لا شيء يحدث من فراغ، وكل ما تصبو إليه نفسك سيحدث ولو بعد حين! لكن قبل كل هذا، وجب عليك قبول كل تلك الرسائل بصدر رحب والعمل بمقتضياتها دون تذمر، ومع الوقت ستفهم أن سحر الصبر يعطي ثماره على مراحل ولو طال الأمد.
وعلى هذا الأساس كان يبني رسائله تلك المشجعة التي كانت كبلسم تضمد الجراح كلما فشلت في اجتياز محطة معينة. وكان دائما يؤكد لي أن الله خلق الألم ليعطينا فرصة أخرى للحياة عندما لا نستسلم ونظل نقاوم.
أتذكر اليوم الذي كنت سأسافر فيه إلى السينغال من أجل إكمال دراستي الجامعية، وفي طريقنا إلى المطار أبي لم يتحدث كثيرا كل ما كان يفعله من حين لآخر أنه يسترق بعض النظرات خلصت إليها وأنا جالس بجانبه بالمقعد الأمامي، فإذا التقت نظراتنا ابتسم لي ابتسامة تحمل كل الدلالات وتخفي الكثير من الكلام ربما لم يشأ قوله حتى لا يزيد من أزمة سفري، فالكل يعرف ما معنى أن تترك عائلتك ووطنك وراءك متوجها إلى الغربة. لكن مع ذلك كنت أفهم تلك الإبتسامة وأقرأ بكل دقة ما وراءها من معاني، فأبادله بابتسامة عريضة مفادها أن لا تقلق يا أبي وإطمئِن سأكون بخير.
 
فور وصولنا إلى المطار وبعد أن أنهيت كل الإجراءات دقت لحظة الوداع، تلك اللحظة التي يمر فيها بالذاكرة شريط طويل يحمل كل الذكريات، تقدمت لأودع أبي وكعادته وجه لي كلمات مسترسلة متجانسة ومترادفة متدفقة حُفِرت بذاكرتي إلى يومنا هذا، كانت بالنسبة لي عبارة عن درس عنوانه إرشادات قصيرة لمواجهة الحياة في الغربة.

قال لي بالحرف: “اعْتنِ بنفسك يا بني وتذكر أنك اليوم ستُطلق شراع باخرتك الخاصة وستبحر لوحدك نحو المجهول فاحرص على أن تكون ربانا جيدا. وستُجاور وتتعامل في غربتك مع أصناف البشر باختلاف أعراقهم وألوانهم ودياناتهم وتوجهاتهم، فاحترم عقولهم وخذ العبر والدروس من مواقفهم دون الحاجة إلى أن تثق فيهم. وتذكر أن الدنيا لا تقف على أحد أو عند أحد فإذا ما إشتدت أحزانك وظروفك في الغربة فوجه وجهك شطر الذي خلقك وأطلق عنان دعائك له فإنه سميع مجيب لا يخيب الظنون”. 

رسالةُ أبي ظلت كالحِصن ترافقني أينما رحلت وارتحلت، وكلما مررت بمواقف صعبة وظروف حالكة أتذكر كلماته تلك التي تلازمني وتراودني ولا تهجرني كما أني أرفض هجرها فهي طاقتي وانفلاتي حين تأسرني الحياة.
حفظك الله أبي من كل شر وسوء وزادك من فضله وكرمه، انت وسائر آباء المعمور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *