الأموي والمريني والمُوحّدي والأيوبيّ.. قـادةٌ من زمن العزّة! 22#

محمد بن أمية.. قائد انتفاضة الموريسكيّين

نفتتح سلسلتنا الرمضانية بسَليل عائلة الأبطال “محمد بن أمية” والمعروف في المصادر الإسبانية باسْم Abén humaya ؛ وهو قائد أندلسيّ قاد ثورة مسلمي الأندلس ضد الملك فيليب الثاني، والتي عُرفت بـ”حرب البشرات” واستمرت ثلاث سنوات.
وقد قامت هذه الثورة بعد أن خالف الملك فيليب الثاني تعهداته مع الموريسكيين وهم مسلمون أوروبيون بقوا في بلادهم ظنا أنهم سيلقون المعاملة الحسنة من إخوانهم الإسبان المسيحيين المشترِكين معهم في القومية والعنصر.
وقد أصدر الملك فيليب الثاني مرسوما يفرض على الموريسكيين نبذ أسمائهم العربية وزِيِّهم التقليدي، عدم الحديث باللغة العربية وتسليم أطفالهم إلى قساوسة مسيحيين لتنشئتهم على الدين المسيحي.
وهنا ابتدأت أبشع قصص التعذيب والتنكيل والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصِرون ضد المسلمين المنهزمين في أول  مواجهة بينهما.. إلى أن خرج من رحِم هذه العذابات شاب موريسكي تبدو عليه ملامح قُريشية، ليقود أروع انتفاضة عرفتها الأندلس بعد سقوطها، ليعيد توحيد صفوف الموريسكيين، وليُكَوِّن جيشا شعبياً يحارب به الإمبراطورية الإسبانية ويحقق المستحيل.
فلقد استطاعت القوات الشعبية للقائد محمد بن أمية تحرير مدينة “ألمرية” ومدينة “مالقة”، بل إن القائد الإسلامي العظيم استطاع أن يشعلها في ربوع إسبانيا، فاضطر الملك فيليب الثاني لطلب العون من إمبراطورية النمسا، وهناك سقط القائد محمد بن أمية شهيدا بإذن الله.

الرجل الذي أنقذ تراث الأندلس

عظيمنا الثاني لهذا اليوم ظهر في المغرب قبل سنوات قليلة من سقوط الأندلس، وهو نفس العصر الذي ظهر فيه محمد الفقيه أحد ملوك بني الأحمر، ملك تسبب بأفعاله المخزية في سقوط الأندلس، فهو من خان ملك إشبيلية وسلمَها إلى الصليبيين، قبل أن يتوجهوا إلى مدينته لينتزعوها من ملكه؛ وهنا استغاث محمد الفقيه بالقائد الإسلامي البطل أبو يوسف يعقوب المنصور المريني.
فاستطاع هذا القائد الإسلامي البطل بخمسة آلاف جندي مغربي أن ينتصر على جحافل الصليبيّين في غرناطة. ليس هذا وحسب، بل استطاع أن يعيد تحرير إشبيلية أيضًا، وصدّق أو لا تصدق، استطاع أن يحرر “قرطبة” والتي كانت قد سقطت قبل ذلك بعشرات السنين!! كل هذا بخمسة آلاف مجاهد تربَّوا على الإسلام الحقيقي، أما الذين تربوا على الرقص على ألحان زرياب فقد ذهبوا مرة أخرى للصليبيين لكي يتحالفوا معهم لطرد القائد أبي يوسف يعقوب المنصور المريني الذي جاء أصلًا لنجدتهم!! فانتصر أبو يوسف يعقوب المريني على تحالف الصليبيين ومحمد الفقيه، ولكنه كَعادة العظماء عفا عن هذا الأخير، وترك له كل الغنائم التي غنمها من النصارى، وترك أيضًا حامية من مجاهدي المغرب الأشداء لكي يدافعوا عن المسلمين في الأندلس وقت الحاجة. وكعادة الجبناء، خاف محمد الفقيه على ملكه فتحالف مرة أخرى مع النصارى ضد تلك الحامية، ومرة أخرى أبحر إليهم أبو يوسف يعقوب المنصور المريني لينتصر عليهم، واستمر الوضع كذلك ما بين خيانة الفقيه مع النصارى وانتصار المريني عليهم ثم عفوه عنه، حتى أدرك القائد المجاهد أبو يوسف يعقوب المريني أن الوضع ميؤوس منه في تلك البلاد، ففي اَخر انتصار له على النصارى عرضوا عليه الأموال والجزية فرفض ذلك، وطلب منهم أن يعطوه كتب المسلمين التي استولوا عليها بدلًا من الأموال، وفعلًا تم له ذلك، وبه استحق أبو يوسف يعقوب المنصور المريني أن يُكتب اسمه في سجل العظماء إلى يوم القيامة.
وفعلًا ماهي إلا سنوات قليلة حتى تحققت رؤية هذا الصقر المغربي.. سقطت الأندلس، وأحرق المسيحيون كل كتب المسلمين بعد أن حوّلوا مكاتبهم إلى كنائس! ولولا أن الله سخّر للأمة هذا القائد المجاهد، لربما اندثرت حضارة علمية عظيمة امتدت جذورها لمئات السنين..

بطل “معركة الأرَك” الخالدة

وبطلنا الآن هو أبو يوسف يعقوب المنصور المُوَحّدي، والموحّدون هم الذين حكموا بلاد المغرب الإسلامي والأندلس بعد انهيار دولة المرابطين.
وفي هذا الوقت ظهر في مملكة قشتالة مَلك مجرمٌ اسمه ألفونسو الثامن، وألفونسو هذا ليس ألفونسو الذي هزمه ابن تاشفين في معركة الزلاقة الخالدة، فالنصارى كانوا يكثرون من تسمية ألفونسو، المهم أن ألفونسو هذا عاث فسادا في بلاد الأندلس الإسلامية فقتل الشيوخ واغتصب النساء، وقد تعودنا أن تستورد الأندلس النصر من بلاد المغرب في السنوات الأخيرة، فتحرك أبو يوسف بجيش قوامه 200 ألف مجاهد من مسلمي الشمال الأفريقي إلى نصرة إخوانهم في الأندلس، يَرُدّ به على رسالة مهينة بعث بها ألفونسو إليه، أما النصارى فقد أعلنوا حالة الطوارئ القصوى بعد أن أعلن بابا الفاتيكان حالة النفير العام، فتجمعت للصليبيين قوات هولندية وألمانية وفرنسية وإسبانية لتكون جيشًا جرارًا تعداده ربع مليون مقاتل نصراني، ورفعوا الصلبان بين جنودهم عاليًا لعلمهم بأنهم أمام المعركة الفاصلة التي ستحدد مصير المسلمين في الأندلس؛ أما المسلمون فرفعوا نداء: اللّه أكبر تحت قيادة أبي يوسف يعقوب المنصورالموحدي.
والتقى الجَمْعان في التاسع من شهر شعبان لسنة 195 هـ، في معركة الأرَك الخالدة، لينتصر المسلمون أعظم انتصارٍ في تاريخ الأندلس كله، فقد فاق نصر الأرَك نصرَ الزلاقة، وطارت أخبار النصر في كل مكان، ودوت أخباره على منابر المسلمين في أطراف دولة الموحدين الشاسعة، بل ووصلت إلى المشرق الإسلامي، فصلى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها صلاة الشكر ابتهاجًا بهذا النصر العظيم.
 

بطل معركة “حِطّين” الباسلة

صلاح الدين الأيوبي، البطل الغني عن التعريف، قائد عسكري أسَّس الدولة الأيوبية التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن في ظل الراية العباسية. قاد صلاح الدين عدّة حملات ومعارك ضد الصليبيين الأوروبيين في سبيل استعادة الأراضي المقدسة التي كان الصليبيون قد استولوا عليها في أواخر القرن الحادي عشر، وقد تمكن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس، بعد أن هزم جيشَ بيت المقدس هزيمة منكرة في معركة حطين.
وقد اشتهر صلاح الدين بتسامحه ومعاملته الإنسانية لأعدائه، لذا فهو من أكثر الأشخاص تقديرًا واحترامًا في العالمَين الشرقي الإسلامي والأوروبي المسيحي، حيث كتب المؤرخون الصليبيون عن بسالته في عدد من المواقف، أبرزها عند حصاره لقلعة الكرك في مؤاب، وكنتيجة لهذا حظي صلاح الدين باحترام خصومه لا سيما ملك إنجلترا ريتشارد الأول “قلب الأسد”، وبدلاً من أن يتحول لشخص مكروه في أوروبا الغربية، استحال رمزًا من رموز الفروسية والشجاعة، وورد ذكره في عدد من القصص والأشعار الإنجليزية والفرنسية العائدة لتلك الحقبة.

للبطل صلاح الدين الأيوبي مقولة تؤكد أنه كان يحمل همّ الإسلام والمسلمين والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين: “والله إني لأستَحِي من الله أن أضحكَ والمسجدُ الأقصى ما زال مُحتلّا“.

فالله الله يا صلاح الدين، ليتك تعود لترى رجالا حاشا لله أن يكونوا أحفاد رجالك الباسلين، هانت عليهم القدس والشام وبلاد الرافدين وكل أراضي المسلمين فأصبحوا يخططون مع أعدائهم لتشتيت شمل شعوبها وتوريثها المحتلين الغاصبين، إذ صدق من قال” حاميها حراميها”.

علينا أن نستَحِي نحن،أيضاً، شعوباً وحُكامًا ونحن نراهم يعترفون بأن “القدس عاصمة إسرائيل”، أولى خطواتِ ما عُرف بـ”صفقة القرن”.. ولا نحرّك ساكناً.

يُـتبع ..
 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله