فاعلم أنه لا إله إلّا الله

كلمة التوحيد هي العقيدة والشريعة ومنهاج الحياة

لٓا إِلٓهْ إِلٓا اللّٓهْ” هي كلمة التوحيد التي استنارت بها جزيرة العرب بنورها بعد أن كانت تتخبط في ظلمات هُبل واللاّت والعُزّٓى ومناة.. “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” لم تكن كلمة جوفاء خالية المعنى تنطق باللسان بدون أن تطبع في القلب آثاراً وبدون أن تقشعر منها الجلود وبدون أن ترتجف منها الأرواح خوفاً ورعباً. {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}(الآية 90 من سورة الانبياء) بل كان الصحابة متشبثين بها بالنواجذ، لقد تغلغلت في أعماقهم وتسربت إلى كل ذرة من كيانهم وتشربوا معانيها فكانت لهم نورا يمشون به بين ظلمات قريش، لم تكن كلمة تنطق عند الصلاة وتُهجر بين الصلوات بل هي منهج حياة، شاملة لكل صغيرة قبل الكبيرة، لا تقتصر على الشعائر الدينية بل هي مقتضيات وكل شطط عن مقتضى من مقتضياتها هو انحراف عن“لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” وهي كالتالي: المقتضى الإيماني والتعبدي والتشريعي والأخلاقي والفكري والحضاري والتعبيري وقد أجاد المؤلف محمد قطب في شرح وتفصيل هذه المقتضيات في كتابه “لا إله إلا الله عقيدة و شريعة ومنهاج حياة“.

فالإيمان ب“لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” بالقلب فحسب خدعة وافتراء على الله، بل الإيمان يتولد عنه عملا {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا }. لا يمكن الفصل بين الإيمان والعمل كما لا يمكن الفصل بين أفكارنا التي نؤمن بها وسعينا لتحقيقها، فكل فكرة نؤمن بها نحاول أن نجعلها واقعا يعاش. فكذلك “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” فهي تصديقا بالقلب وقولا باللسان وعملا بالجوارح.

ما تخلفت الأمة الإسلامية عن موكب الحضارة والتقدم إلا بعد أن انحرفت عن “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” ومقتضياتها، بعد أن تخلّت عن معاني التوحيد تخلى الله عنها وجعلها من المخلفين.

كيف ترجو أن تقود الكون وأنت متخلٍّ عن رب الكون؟ كيف بنا أن نفكر على أن البراءة من “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” هي مفتاح التطور والتقدم والسير نحو الأمام؟

ما نراه حالياً على أرض واقع المجتمع الإسلامي وما آلت إليه ظروفه المزرية التي تشيب الولدان، وما أصبح عليه من ضعف وانحلال وتمزق واستسلام وما يقابله من جهل وتخلف وأمية طاغية على الشبيبة رغم أن القرآن قد أمرنا ب “ اِقْرٓأْ ” ما دمت حياً، فالعيب ليس في الإسلام وانما في المسلمين، لقد نال المسلمون جزاءهم من تأخر بعد أن استغنوا عن كتاب الله وسنة رسوله، ولو تشبثوا ب “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” لقادوا العالم وكانوا هم الأعلون، ولكن اتبعوا الهوى وضلوا السبيل فانقسموا فرقاً وشيعاً يضرب بعضهم رقاب بعض.

وما أود تفسيره للقارئ الكريم ليس لغواً ولا أساطير الأولين أو خرافات الجاهلين بل هو واقع معاش انبثق في جزيرة العرب على يد رسولنا الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، أرسله ربه لقومه أن يبلغ أن “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” وبفضلها أمسى بلال العبد الفقير مؤذناً، وأصبح المضطهدون أحراراً من قيود الأصنام والكهنة، ومن ظلم وغطرسة صناديد قريش، وانمحت الفوارق الاجتماعية فلا فرق بين سيد او عبد إلا بالتقوى، وتحول حقد الأمس محبة وإيثار، و أصبح الأعداء إخوانا أينما كانوا وكيفما كانوا لأن راية التوحيد جمعتهم فأضحوا رحماء بينهم لا تفرق بينهم اللغة أو الحدود الجغرافية أو القومية. لأن منهجهم واحد وهو القرآن وقدوتهم واحدة وهي محمد صلى الله عليه وسلم وهدفهم واحد وهو الجنة.

اِقْرٓأْ التٓارِيخٓ إذْ فِيه العِبٓر

ضٓلّ قومٌ لٓيْسٓ يدْرُونٓ الخٓبٓرْ

لقد تبين معدن الصحابة في التزامهم بأحكام القرآن وسنة رسولهم، لقد كانوا في التيه والضياع المبين فلا وجهة معلومة تنير ظلمات عقولهم ولا هدف من أجله يضحون بحياتهم، فبعدما نزلت “لٓا إِلٓهْ إِلّٓا اللّٓهْ” أنارت لهم الطريق وبينت لهم الهدف فساروا على خطى القرآن فبنوا حضارة الحق باسم الله، حضارة العدل والمساواة والمحبة والتسامح، ما ينبغي لهم أن يحتكموا من تلقاء أنفسهم بل يردون الأمر لما هو أعلى منهم للقرآن والسنة، ففتحوا المدائن لتنير بنور الإيمان وتسطع بالقرآن فدخل في الإسلام دول وحضارات كالهند والصين وصولا إلى جاكرتا الأندونيسية ومن جنوب فرنسا إلى جنوب غرب أفريقيا …فشيدوا حضارة لا يزال آثارها في كل بقعة من الأرض الذي فتحها الإسلام ففي الهند التي حكمها المسلمون ألف سنة تجد الآثار الإسلامية بارزة في أعظم تحفة في فن العمران وهي “تاج محل” من بناء الملك العادل المسلم “أورانك زيب” تخليدا لزوجته، وفي الأندلس تجد قصور الزهراء ومسجد قرطبة والحمراء قبلة للسياح، وفي بغداد مجمع العلماء والفقهاء والشعراء والفلاسفة ..وفي صقلية الإيطالية التي حكمها العرب قرابة قرنين من الزمن تستدل جريدة “العربي الجديد” بكتاب “تجليات فنون العمارة الإسلامية بجزيرة صقلية” للكاتبة وجيدة الصكوحي حيث تقول الجريدة { يرصد الكتاب تجليات الفنون العربية في جميع أصناف المباني الأثرية الموجودة في صقلية؛ العمارة الدينية ثم بالقصور والحدائق وأخيراً المباني المدنية على غرار حمام شيفالا ديانا}.

جُل العالم اهتز من هذه الحضارة الإسلامية التي لا تُقهٓر، جاءت بالعلم والمعرفة وبكل العلوم والآداب يحج إليها كل مٓن أراد أن ينتفع بعلمها.

فمن أين لنا بهذا؟ وكيف لنا أن نعود للوراء ونجلب المجد الذي سُلب من يد الغافلين؟ كيف بنا أن نشيد الحضارة التي هدمناها سابقاً وواريناها التراب؟ فمن اطلع على التاريخ وقارن بين الحضارة الإسلامية في منتصف القرن الثامن الهجري إلى غاية القرن الخامس عشر، وشاهد بأم عينيه هذا التفكك الذي تعانيه المجتمعات الإسلامية في عهدنا الحاضر، لرأى قمة التناقض الذي يبكي الحجر وينطق الصخر ويجذب القحط وجعل الجبال تخر خراً وتصعق السماء صعقاً، تالله لقد أضعنا الحضارة والعلم والسيادة بعدما أضعنا “لآ إِلٓهْ إِلآّ اللّٓهْ” وأمست تنطق باللسان لا بالقلب ولا بالعمل أقفلنا عليها أبواب المساجد وحرّمنا عليها الخروج منه فأضحت بلا معنى، فأضحينا نحن بلا معنى، فقدنا ما لا نستطيع استرداده إلا بالرجوع إلى“لٓا إِلٓهْ إِلآّ الّٓلهْ “والاستمساك بها بالنواجذ فهي حبل النجاة وشرط الفلاح والعروة التي لا انفصام لها هي العزة بعد الذل والقوة بعد الضعف والعلم بعد الجهل والغلبة بعد الإنغلاب.

فٓالْزٓم يٓدٓيْكٓ بِحبْل اللّه مُعْتصِمٓا

فٓإنّه الرٌُكنُ إِنْ خٓانتْك أٓركٓانُ

فٓاعْلٓم أنّٓهُ لآ إِلٓه إِلّٓا الٓله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *