الحياة ليست زوجاً، إنجاب طفل ومشاركة ذلك!

في يوم زفافها، تُعنوِنُ منشورَها بـ”أفضل يوم في حياتي”، وأخرى تستبدل العبارة بكلامٍ موجّه لبَعْلِها “أنتَ أعظم إنجازاتي!”. أما أنا فلا حال لي في كل مرة سوى التوقف استغرابًا أمام هكذا سيدةٍ، أعظمُ إنجازٍ تتباهى به زواجُها؛ والمصيبة إنْ كان مِن شخص ذا مالٍ وجاه، لأنها لا ترضى بغير ذلك أو لأنها عاشت قبل ذلك في وسط أقلّ أثاثاً، أدنى متاعاً وأكثر بؤساً.
ما لها من وسائل التواصل الاجتماعي سوى إخبار مَن عرفوها سابقا بتغيّر حالها إلى الأحسن، وما أظنّ أن شيئاً غيرَ هذا يثور في نفسِها الناشئة فجأة. حتى إذا أصبحت اجتمعتْ -هي- و”أعظمُ إنجازاتِها” إلى إفطار غزير صاخب مبذّرة فيه أشد تبذير وأغباه. و قبل أن يلتهمَا ذلك الزاد التهاماً تُثبت الكاميرا تثبيتاً بِـنِيّة مشاركتنا أنها عبت أكواب الشاي وبلّلوه في أفواههم ثم ساغته بعد ذلك سهلا هيّناً، و بأنهما يقضمان الخبز بأسنانهما قضماً. وهما أثناء ذلك يتضاحكان ويلهوان. أما مساءًا، فتعود لتُخبر الكل عن ما دبّرته من عشاء دون أن يملأها شيء من الخجل. فتشرع في تحضير، دون لون واحد من الطعام ألوان، مُلقِية بين حين وحينٍ نصائحَ سيدة متزوجة..
ألهذه الدرجة أذهلتكِ أرباح تفاهتك وأعداد التافهين من متابعينك، حتى تختزِلي أمومتك في مقطع لا يتجاوز عشر ثوان! طاهيةً طعامكِ لا لتأكُلينَه بل لتأخذي له صورة تشاركينها على حسابٍ افتراضي من حساباتك على “شبكات النفاق الاجتماعي”، مهتمّة بتسجيل كل لحظة مصطَنعة. لمَ لا تُجرّبي عيش اللحظات دون آلة تصوير و”كاميرا” هاتف هو الآخر تشاركين صورته. لكن حقا أنت أمٌّ عظيمة تسجل شرائطها لاعبةً دورَ خبيرةِ حياة زوجية دون النظر أو الاكتراث لطفلك الباكي، بل تعتذرين على “الضجيج الذي سيكون بـالفيديو” بسبب صغير يصرخ حاجةً لأمه.
للناس مذاهبُهُم في التخفيف من الهموم والتخلص من نواقص الماضي، واليوم أحدُ أبرزِ هذه المذاهب بالنسبة للكثيرات “مواقع التواصل الاجتماعي”. جميلتي؛ إن المشي في كُبريات مراكز التسوق، حمل الحقائب الجديدة، مكان العيش، انتعال الحذاء الفاخر وامتلاك الجوّال الباهر ليست هي أسس الحياة. بل إنها مجرد مظاهر تخفي جانباً نفسيا يحتاج الاستعجال في علاجه. كل ما تنشره السيّدات على صفحاتهم الزرقاء لا يتخطى دائرة اهتمامهم الضيقة ومعلوماتهم المحدودة، ولا تخلوا كلماتُهم من أخطاء إملائية وتعبيرية.
“يوتيوب”، “فايسبوك”، “انستغرام”، و”سناب شات”؛ مواقع مفتوحة لكِ وللجميع، عبّري فيها عن مشاعرك لأمك، والدك، زوجك، ابنك، وإخوتك كما تشائين. شاركي فيها معطِّر حمّامك الجديد كيفما تريدين، لكن أرجوك لا تُصدّقي نفسك فتتحوّلين إلى مُنظِّرة فيلسوفة..
ختامًا، أنا لا ألومكِ مقدِّرة دوافعكِ وإنما ألوم مَن يتابعونكِ، مسلّطين الضوء عليك حتى جعلوا منك “نجْمَة تفاهة”! لقد نسيتُ، “مؤثرة” كما يشير لذلك وصفك الظاهر في واجهة حسابك.  إنني مُشفقة عليك وعليهم أعظم إشفاق؛ لأنكنّ لا زِلْتُنّ تَعِشْنَ موضة الزواج والإنجاب. المرأة اليوم لا تُقيّم بمهنة زوجها، ومكانته الاجتماعية، بل بشواهدها الدراسية، ثقافتها وما وصلت إليه من وعي ونُضجٍ اعتماداً على نفسها..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *