بَطلاتٌ من زمان فرعون #17

أمّ موسى.. انتصارٌ للمستضعَفين ولو بعد حين

قصة موسى بالذات هي قصة بناء الأمم بامتياز، وقد أراد الله تفصيلها للمسلمين لكي ينهلوا منهال النهوض بأمتهم في أي وقت، حتى ولو طال زمان الانحدار بهم؛ فـقِصة موسى وفرعون هي قصة نصر الله لعباده المستضعفين في كل الأزمنة، وهي سنة الله التي جرت في الخلق منذ الأزل، تتلخص بأنه تعالى سوف يأخذ بيد المستضعفين ليرفعهم على المستكبرين ويورثهم أرضهم وديارهم ولو طال زمنُ الظلم والعدوان.
كانت أم موسى هي أساس قيام الأمة بعد سنوات الهزيمة والانحدار، ولقد كان بناء أمةٍ بأسرها يبدأ بامرأة واحدة، بل كانت هزيمة أكبر قوة إجرامية على على مر التاريخ الإنساني تبدأ بتلك المرأة، هزيمة أعظم جبّار عرفته الإنسانية بدأت بامرأة فقيرة تسكن في بيت صغيرٍ على ضفاف النيل، وهنا يأتي دور المرأة المسلمة في صناعة النصر، فالنساء هن  أساس القيام!
وقصة أم موسى بدأت قبل ذلك بكثير، وبالتحديد قبل 3000 عام أو يزيد، في ذلك الوقت بيعَ طفل بثمنٍ بخس في أرض مصر بعد أن وجدته سيّارة في بئرٍ من آبار فلسطين؛ هذا الطفل كان يُقال له “يوسف” ليصبح بذلك عبدًا عند ملك من ملوك الهكسوس الذين كانوا يحتلون مصر في حينها، ثم أصبح بعدها وزيرًا مقرباً للملك، ليأتي بأهله جميعا إلى مصر ليعيشوا في رعاية الملك في سلامٍ وأمان. لكن المشكلة تبدأ بعد ذلك بسنوات، عندما جاء الفرعون أحمس الأول ليُنهي دولة الهكسوس، ويعتبرَ أحفاد يوسف وإخوته خونة تعاونوا مع الاحتلال الهكسوسي لمصر، فكان ذلك هو سبب استعباد الفراعنة لبني إسرائيل، فلقد كان يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب أو يوسف بن إسرائيل عليه وعلى أبيه وعلى جده وعلى أب جده السلام، وكان ذرية يوسف وإخوته الأحد عشر هم أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر.
المهم أن بني إسرائيل رضوا بحياة الذل والإهانة في مصر لمدة 3000 عام، وهذه الأعوام هي التي كونت الشخصية المميزة لأولئك القوم، فقد تعوّدوا خلالها على حياة الذل والاستعباد، حتى جاء فرعون من الفراعنة يسمى رمسيس الثاني الكي كان عاتيا متجبراً، وقد رأى في منامه أنه سيولد في بني إسرائيل مولودٌ سيدمر حكمه ويزيل سلطانه، فقام هذا المجرم بقتل كل مواليد بني إسرائيل من الذكور، وبعد أن نقص عدد العبيد في قصره أمر فرعون بقتل الأولاد في سنة وإبقائهم في سنة، فوُلد لامرأة من بني إسرائيل ذَكرٌ في السنة التي فيها قُتل، فخافت عليه خوفًا شديدًا، فأوحى اللّه إليها عن طريق الإلهام أمرا عجيبًا، أوحى إليها أن تضعه في تابوت وتُلقيه في نهر النيل، فما كان من هذه السيدة العظيمة إلا أن استجابت لأمر الله من دون أي تردد.
قصة أخرى تضرب دروساً في الامتثال لأوامر الله، لأن أمر الله كله خير.
 

آسية، زوجة فرعون

“كمُلَ من الرجال كثيرٌ ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإنّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام”، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إننا نكتب الآن على الصّدِّيقة الولية، والراضية المَرضِيّة، والمومنة التقية، الراسخة الثابتة الأبية، الزاهدة الصفية، الشهيدة الهنية، نحن الآن على موعدٍ مع البطلة التي انتصرت بإيمانها على أقوى جبّارٍ عرفته الأرض في التاريخ من لدن اَدم إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.. نحن الآن على موعد مع أقوى إنسانة خلقها اللّه في الدنيا، نحن الآن على موعد مع إنسانة عجزت كلمات الشعراء عن تخليد سيرتها فخلّدها ربُّ الشعراء في كتابه بكلماته، نحن الآن على موعدٍ مع زينة الملِكات، وسيدة السيدات، ورمز الأبيات، نحن الآن على موعد مع الأم الرحيمة والبطلة العظيمة آسية بنت مزاحم، زوجة عدو اللّه فرعو!! وآسية رحمها اللّه لم تكن مجرد زوجة عادية لرجل عادي، بل كانت ملكة متوَّجة لديها من الذهب والمجوهرات ما لا يحصى ولا يعد، نحن نتحدث عن ملكة من ملكات مصر القديمة التي كانت جنة الله في أرضه، آسية بنت مزاحم رحمها الله تركت كل ذلك في سبيل اللّه. يقول الكاتب إن سر اختياره لهذه السيدة الطاهرة ليطلق عليها لقب أقوى إنسانة في التاريخ لا ينبع من كونها انتصرت على فرعون الجبّار فحسب، بل لأنه يعتقد أن سر عظمة وقوة اَسية ينبع من انتصارها على نفسها! فلقد تركت هذه البطلة الذهب والمجوهرات ونعيم قصور فرعون، مُضحِية بذلك بأعظم كنوز الحضارة الفرعونية في سبيل اللّه عز وجل، لتنتصر هذه البطلة العملاقة على نفسها، ثم تنتصر بعد ذلك فرعون!
لقد انتصرت على الرجل الذي قال للناس “أنا ربكم الأعلى”! فباعت آسية بذلك دنياها من أجل آخرتها، تركت قصورها لأجل أن تسكن في بيت في جوار الله، وتكون جارة لله عز وجل؛ عِلماً أنها كانت الزوجة الأثيرة إلى قلب فرعون دون زوجاته الأخريات على الرغم من كونها عقيما!
لذلك ما إن رأت آسية الولد في التابوت الذي ألقت به أم موسى في النيل حتى تعلّق قلبها به. لقد صبرت الملكة آسية التي تعودت على الفرُش الحريرية والوسائد الذهبية على العذاب في سبيل الله؛ لقد خيَّرهَا عدو اللّه فرعون ما بين الكفر أو العذاب فاختارت هذه البطلة إيماناً العذابَ على الكفر، وأبت أن تعطي الدنية في دينها، لذلك أشرف فرعون شخصيا على تعذيبها حيث عَزَّ عليه أن تخرج زوجته على عقيدته لتتبع عدوه موسى، فأمر بإنزال أشد أنواع العذاب عليها حتى تعود إلى ما كانت عليه، لكنها بقيت مؤمنة محتسبة صابرة، فأمر فرعون جنوده أن يطرحوها على الأرض ويربطوها بين أربعة أوتاد لتنهال السياط على جسدها، وهي صابرة محتسبة على ما تجد من أليم العذاب، ثم أمر فرعون بوضع رحًى على صدرها وأن تُلقى عليها صخرة عظيمة، وقبل أن يتم تنفيذ ذلك جاءها ليعرض عليها العفو مقابل أن تكفر باللّه، فنظرت إليه نظرة استحقار ثم نظرت في السماء وهي معلقة بين الأوتاد الأربعة فدَعَت اللّه بأعجب دعاءٍ دعته امرأة في التاريخ فقالت: “رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” .
فاختارت هذه البطلة الجوار قبل الدار، اختارت أن تكون جارة له فارتفعت روحها إلى بارئها، تظِلها الملائكة بأجنحتها، لتسكن في الجنة وتستحق هذه البطلة العظيمة أن تكون من أعظم نساء التاريخ على الإطلاق، ولتكون بذلك سيدة من سيدات أهل الجنة!
 

ماشِطة بنتِ فرعون .. ثباتٌ أمام الأهوال

ماشطة بنت فرعون هي امرأة صالحة عاشت في ظل مُلك فرعون، وسُمِّيت بذلك لأنها كانت تمشط شعر بناته، وهي خادمة ومربية لهن، ويعيش معها زوجها الذي كان مقربًا من فرعون، حتى قتله بعد حين بعدما عرف بإسلامه، مما اضطر الزوجة الأرملة إلى إخفاء إسلامها مستمرة في العمل في قصر فرعون لتنفق على أبنائها الخمسة. إلا أنه في يوم من الأيام، وقع المشط من يدها وهي تمشط الأميرة، وقالت وهي تتناوله من الأرض «بسم الله»، فردت عليها الابنة: «الله أبي»، ولم تتمالك الماشطة غضبها حتى صاحت: «كلا، بل الله ربي، وربك، ورب أبيك». فذهبت البنت إلى أبيها لتخبره بأمر ماشطتها. فغضب فرعون لوجود من يعبُد غيره في قصره، فنادى بإحضارها، وسألها: من ربك؟ فقالت: ربي وربك الله؛ ازداد غضب فرعون وطالبها بالرجوع عن دينها، وهددها بحبسها وتعذيبها، إلا أن الماشطة أبت أن ترتد عن الإسلام.
أمَر فرعون جنوده باحضار قِدرٍ من نحاس مملوء بالزيت، ويتم تحميته حتى يصل إلى درجة الغليان، ثم طلب إيقافها أمام القدر حتى ترى العذاب بعينيها، إلا أنها أقبلت عليه طمَعاً في الشهادة، إلا أن فرعون أراد قهرها على أبنائها، لعِلمه بأنهم أحب الناس إليها، والتي كانت تربيهم بعد أن قتل أباهم، فأمر بإحضار الأبناء إلى غرفة التعذيب الفرعونية، فجرّ الجنود أكبرهم، وهو يصيح ويستغيث بأمه، ويتوسل إلى فرعون، فألقي في الزيت، والأم تبكي، وتنظر إلى طفلها وهو يحترق، ثم نظر إليها فرعون، وأمرها بالكفر بدين الله ليعفو عن البقية، إلا أنها أبت، وتمسكت بموقفها، فازداد غضب فرعون، وأمر بالولد الثاني، وألقي في الزيت.
اندفع جنود فرعون نحوها، وسحبوها اتجاه القِدر، فالتفتت حينئذٍ إلى فرعون وقالت له: «لي إليك حاجة»، فرد عليها: «ما حاجتك؟»، قالت: «أن تجمع عظامي، وعظام أبنائي، فتدفنها في قبر واحد»، فوافق فرعون على طلبها وألقى بها الجنود في الزيت.
 
وقد جاءت رواية هذه القصة على لسان جبريل، كما ورد الحديث في المسند عن ابن عباس أن النبي محمدا عليه الصلاة والسلام، قال: “لما كانت الليلة التي أُسري بي فيها -يقصد ليلة الإسراء والمعراج-، أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها”.
 
    يُـتبع ..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *