عثمان ومُعاوية وعلي .. الأبطالُ المستهدَفون #13

هدفٌ لغزاة التاريخ

الشخص العظيم عظيمٌ بتوفيقٍ من الله، وعلى قدر العظمة تكون المحن، ولعل أصعب المحن أن يعمل الناس على تشويه صورتك والتشكيك في معدنك؛ وعثمان بن عفان جمَع بين الاثنين، بطل عظيم تفوحُ سيرته في بيت كل مسلم، وأكثر شخصية تعرضت للتزييف في التاريخ البشري على الإطلاق في نظر الكاتب.
عثمان بن عفان هو ثالت أعظم إنسان خلقه الله بعد الأنبياء، وهو ثالثُ العشرةِ المبشرين بالجنة وثالث الخلفاء الراشدين، هو الرجل الذي تستحي منه الملائكة، وهو رفيق الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة، وهو الإنسان الذي جمع القرآن الذي نقرَؤُه إلى يومنا هذا، وهو مُجهِّز “جيش العُسرة”، وهو الذي اشترى بئر رومة وجعلها مِلكاً للمسلمين، وهو الرجل الذي تمت بسببه بيعة الرضوان، أعظم بيعة في تاريخ الأرض، إنه صهر الرسول، ذي النورين، صاحب الهجرتين، المصلي إلى القبلتين، صاحب السخاء العظيم، إنه رجل البر والجود والإحسان، وجامع القرآن.
ويقول شُرَّحبيل بن مسلم في حقه: “كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت”.
ولأنه عظيم، صاحب شأن كبير، تعرض لغزو تاريخي خطير، وأول الشبهات الشبهة المالية. ولمعلوماتك قارئي العزيز، عثمان بن عفان كان أغنى العرب على الإطلاق حتى قبل توليه منصب الخلافة، وهو الذي كان يعالج الأزمات الاقتصادية للمسلمين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثاني الشبهات هي محاربة عثمان لأهله، وثالث الشبهات حرقُ عثمان للمصاحف، وهنا تجدر الإشارة أنه جمع القرآن في مصحف واحد وحرق البقية حتى نحافظ على المصحف العثماني الذي لا نزال نتعبد به الله (المصحف العثماني الأصلي موجود في متحف اسطنبول بتركيا).
علاوة على الادعاء أنه غيَّر سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عهده عهد فقر وظلم، وهو الذي كان عهده أكثرَ زمن انتشر فيه الرخاء الاقتصادي في تاريخ أمة الإسلام، أما في ما يخص مسألة العدل، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بعدل صحابته الكرام، فحاشا لله ورسوله وصحابته أن نُكَذب ذلك.
والمضحك أيضا أنهم اشتبهوا أن لعثمان بن عفان شخصية ضعيفة، وكيف يعقل أن يكون في نفس الوقت على حسب منظورهم شخصا متجبرا وضعيف الشخصية!
ولأن الشبهات الخطيرة المتناقضة خير دليل على أنها تحوم حول عظيم يقبع كالشوكة في حلقهم، فرحمة الله على صهر الرسول، ولكم في وصية عثمان بن عفان كل الموعظة الحسنة :
“عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيى وعليها يموت، وعليها يُبعث إن شاء الله تعالى.”
 

خالُ المؤمنين

مارأيت أحدا قط بعد رسول الله كان أسودا (أكثر سيادة) من معاوية، وما رأيت رجلا كان أخلَق للمُلك من معاوية، وما رأيت أشبه صلاةً برسول الله من معاوية، وما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحقٍّ من معاوية.. كانت هذه شهادة كل من عبد الله بن عمر وأبو الدرداء وسعد بن أبي وقاص في حق خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان.
معاوية بن أبي سفيان الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “اللهم علّمه الكتاب والحساب وَقِهِ العذاب، اللهم اجعله مهدياً واهده واهدِ به”، هو ستر لأصحاب محمد، وإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه، هكذا قال الربيع بن نافع الحلبي عن بطلنا الثامن والثلاثين في ترتيب هذا الكتاب الشيق.
معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي، أحد كُتّاب الوحي، سادس الخلفاء في الإسلام ومؤسس الدولة الأموية في الشام وأوّل خلفائها،  لقد أسلم قبل فتح مكة ولما استُخلف أبو بكر الصدّيق ولاَّه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء وعرقة وجبيل وبيروت. ولما استُخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعله والياً على الأردن، ثم ولاه دِمَشْقا بعد موت أميرها يزيد (أخيه) ثم ولّاه عثمان بن عفان الديار الشامية كلها وجعل ولاة أمصارها تابعين له.
لقد كان معاوية رضي الله عنه أصدق الصحابة لهجة وأكثرهم حِلمًا، وهو القائل “والله لا أُخَيَّر بين أمرين بين الله وبين غيره، إلا اخترتُ الله على سواه”.
إلى من أسْنِدت إليه أخطر مهمة على وجه الأرض، مهمة كتابة كلام الله وتدوينه؛ أنتَ عظيم في أعيُن المسلمين، بعيدٌ كل البعد عن أي تجبر وأي إزهاق للدماء قد يُنسب إليك.
 

بطل الإسلام

محمد النبي أخي وصهري    وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يضحي ويمسي    يطير مع الملائكة ابن عمي
وبنت محمد سكني وعرسي     مشوب لحمها بدمي ولحمي
وسِبْطا احمدٍ ولدايَ منها          فمن منكم له سهم كسَهمي
 
هكذا عرَّف علي بن أبي طالب نفسه، أحد المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، فدائي الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وأحد البدريّين (المشاركين في “بدر”) الـ 314.
علي بن أبي طالب أسلم قبل الهجرة النبويّة، وهو ثاني أو ثالث الناس دخولاً في الإسلام، وأوّل من أسلم من الصبيان. هاجر إلى المدينة المنورة بعد هجرة الرسول بثلاثة أيّام وآخاه النبي محمد مع نفسه حين آخى بين المسلمين، وزوَّجه ابنته فاطمة في السنة الثانية من الهجرة.
شارك علي في كل غزوات الرسول عدا غزوة “تبوك”، حيث خلّفه فيها النبي محمد على المدينة، وعُرف بشدّته وبراعته في القتال فكان عاملاً مهماً في نصر المسلمين في مختلف المعارك وأبرزها غزوة الخندق ومعركة خيبر. لقد كان علي موضع ثقة الرسول محمد فكان أحد كُتَّاب الوحي وأحد أهم سفرائه ووزرائه.
اشتهر بطلنا على بن أبي طالب عند المسلمين بالفصاحة والحكمة، فتُنسب له الكثير من الأشعار والأقوال المأثورة. كما يُعدّ رمزاً للشجاعة والقوّة ويتّصف بالعدل والزُهد حسب الروايات الواردة في كتب الحديث والتاريخ. كما يُعتبر من أكبر علماء في عصره علماً وفقهاً إنْ لم يكن أكبرهم على الإطلاق.
يكفيه فخراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حقه: “لأعطِيَن هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه يُحِبُّ الله ورسوله، ويُحبّه الله ورسوله“.
 
يُتبع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.