نشرطوا الهنا

صراع الشر والخير في النفس البشرية

كُنت دائمة التساؤل حول طبيعة النفس البشرية، حول ما إذا ما كان الخير فيها أصيلا والشر دخيلا، أم العكس؟

هو واحد من أهم التساؤلات الوجودية إن لم نقل أهمها على الإطلاق، ناقش أبعاده الدينية والفلسفية كبار الفلاسفة والمفكرين.. كلّ يدلي بدلوه حسب مرجعيته الدينية والعقائدية، وربما طبيعته النفسية أيضا.. فمنهم من أرجع الخير في النفس مرجع الأصل، ومنهم من جعل الخير دخيلا بفعل تهذيب الكتب السماوية والرسائل الربانية.. ومنهم من زاوج بين هذا وذاك وهو ما لن أقوم به حتما.. لأن الأمر جلي من حولي بالقدر الذي يجعلني أجزم أن الإنسان مفطور على الشر لا محال.. وأن الخير في هاته الحياة يطفو فقط ليعيد توازن المجتمع البشري ويضمن استمرارية الوجود فحسب…

فكمية الشرور الإنسانية غير المبررة من حولنا تؤكد ذلك كل يوم، وعدد الأنبياء والرسل والصالحين المبشرين والمنذرين يؤكد أن النفس مجبولة على الشر وأن هدى الرحمان جاء ليهذبها ويثنيها ما استطاع..
فقد كان للشر مبرراته في ما مضى.. صراع من أجل الديمومة، من أجل البقاء أو من أجل السلطة والمال..
أما الآن فقد قد بات الإحسان ينتظر مقابلا في حين أن الشر يُهدى بالمجان..

صراع الخير والشر (صورة مجازية)

قد يدفع البعض منا ضريبة نجاحه الذي أضاء لينير عتمة غيره.. فتحاربه النفوس المريضة ولا ترضى بغير تساويهم في الخسارة.. وقد يفكر الواحد منا أن يدفع ما يملك لقاء العيش في راحة بال لكن دون أن يناله.. فقط لأن إرادة الأشخاص قد تتعارض وإرادة الله.. فيقررون أن الله مخطئ في تقاديره (حاشا له تعالى أن يوصف بذلك)، فيتدخلون لتسطير القدر على مقاسات أطماعهم.

وقد يفكر بعض الأخيار أن رد الإساءة بالإحسان سيهذب المسيء لا محالة، فتعود اليد التى مدها إليه مبتورة.. فيصبح دم القرابة ماء..

قد و قد وقد..
قد نموت في هاته الدنيا ونحن نطارد “الهنا” وراحة البال.. فقط الهنا وراحة البال!
كسراب بِقِيعة ستبقى تلهث من ورائه.. ستحاربك العادات والأعراف والتقاليد والقلوب السوداء إن أنت قررت يوما السباحة عكس التيار..

“نشرطوا الهنا”، يا لها من جملة باهظة الثمن! ردّدتها الأفواه منذ القدم.. لكنك لن تفهم معناها إلا وأمواج الجهل القَبلي تصفعك الكفَّ تلو الآخر..

“نشرطوا الهنا”، أتُراهم عزفوا عن شطر “الهنا” مؤخرا لاستحالة نيله.. أم لأن من اشترطوه (زمان) أضحوا على قناعة أن لا أمل في نيله في ظل مجتمع يُزايَد فيه على علو يد الله..
المفارقة الوحيدة أن العدو كان بالأمس واضحا يعلن نفسه بشجاعة ويدعوك لردعه إن استطعت، أما اليوم فلم تعد تعرف من أين قد تأتيك الطعنة بالضبط.. وأن لا تعرف خير من أن تكتشف أنها جاءتك من أقرب الناس إليك..

نشرطوا الهنا

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *