الإنسانية على قيد الحياة..

ذات صباح، وبينما أحتسي قهوتي مع أصدقائي، حَدَث موقف غريب، سمعنا نادل المقهى يصرخ بصوت مرتفع، “أسرعوا هناك فتاة وقعت على الأرض” مشيراً بأصبُعه نحو المكان. ما كان منّا إلا أن ركضنا باتجاهها لكي نفهم ما يحدث فإذا بنا نتفاجئ بفتاة صغيرة يكاد لا يتجاوز عمرها السبع سنوات، ملقاة على الأرض وجسمها يرتجف بالكامل (نوبة صرع)، وبجانبها رجل نحيف الجسم وشعره يغطيه الشيب بالكامل وإذا نظرتَ إلى ملامح وجهه ترى تجاعيد تحكي تجارب سنين عمره، واضعاً يده تحت رأس الفتاة ليُجنّبه الارتطام بالأرض من فرط الاهتزاز.
 
طلبَ منا الرجل بكل هدوء أن نمدّه بقنينة ماء، ثم بدأنا نسكب له الماء وهو يمسح على رأس الفتاة بحركات متباطئة ويردد بصوت خافت وواثق مما يفعل، اسكبوا لي الماء من فضلكم ولا تقلقوا ستمرّ هذه النوبة إن شاء الله فليست الأولى من نوعها، دائما ما أقوم بنفس العملية حتى تجتازها ثم أعيدها إلى منزلها ليس بعيداً عن هنا.
 
ما كان لنا إلا تنفيذ ما طلبه منا متناسِين للحظة أننا ندرس الطب ونعرف الواجب القيام به في مثل هذه الحالات، فقد أدهشنا الرجل بهدوئه والرزانة التى يتصرف بها حيال الموقف دون ارتباك.
ولم تمر إلا ثوان معدودات حتى استسلم جسم الفتاة طواعية ولم يعُد يقوى على الاهتزاز، فقام الرجل بحملها من على الأرض وانطلق متوجها نحو منزل الفتاة، قمنا بمرافقته أنا وأصدقائي لكي نطمأن على سلامتها وفي طريقنا إلى منزلها قمنا بسؤاله؛ هل يعرف الفتاة؟
فأجابنا، ليس حق المعرفة، كل ما في الأمر أنني أسكن بالقرب من منزلها وغالبا ما أشهد سقوطها بسبب هذه النوبات فأجدني أجري لتقديم المساعدة لها وأعيدها إلى منزلها بعد أن تجتازها النوبة، لا يمكن أن أراها في تلك الحالة تصارع النوبة حتى تخور قواها فتفقد الوعي ولا يمكنها أن تنهض، فأبقى ساكنًا دون أن أتحرك لأساعدها؛ لأني دائما ما أطرح السؤال على نفسي لو كانت ابنتي في مكانها فهل سأتردد في الركض لمد يد العون؟ بالطبع لا، وفي الحقيقة حتى قبل أن أفكر في هذه المقارنة فأول ما يخطر ببالي هو فيما تفيدني إنسانيتي إذا لم يحرك فيا موقف الفتاة وهي واقعة على الأرض تصارع النوبة، شيئا!
طوال الطريق، تبادلنا أطراف الحديث مع الرجل، فلاحظنا أنه إنسان عاش بين السفر والتجوال وزار العديد من الدول والمحطات في حياته مكنته من الظفر بتجارب عدة منحته تلك الحكمة والهدوء في التصرف حيال المواقف؛ إلى أن عاد للاستقرار بمسقط رأسه، في دكار، العاصمة السينغالية.
فور وصولنا إلى منزل الفتاة استقبلتنا أمها فقامت بأخذ ابنتها إلى الغرفة حتى ترتاح وتستعيد وعيَها، فقمنا بطرح بعض الأسئلة الروتينية عليها حتى نعرف متى ظهرت النوبات لأول مرة وهل تتكرر بشكل دائم وكم عدد المرات التى تتكرر فيها في اليوم، ومن كلامها فهمنا أنها لم تقم بزيارة الطبيب من قبل من أجل الكشف، وفور انتهائها من الحديث أخبرناها أن عليها زيارة الطبيب في أقرب أجل حتى يشخص الحالة ويكتب لها علاج الصرع الصحيح والمناسب، لكي يجنّب ابنتها النوبات الصرعيّة المتكررة، أو على الأقل أن يقلل من وتيرة حدوثها ودرجة حدّتها.
وبعد أن أنهينا حديثنا معها تمنّيْنا لابنتها الشفاء العاجل مع التأكيد على وجوب زيارة الطبيب. ثم غادرنا المنزل عائدين أدراجنا برفقة الرجل الطيّب.

عدتُ إلى كليّتي حيث أدرس الطب، وموقف ذلك اليوم لا يكاد يفارق تفكيري؛ موقفٌ أكّد لي أن الدنيا ما زالت بخير، وأنه مهما حاول الشر بداخل الإنسان أن يطغى أو ينتصر فإنه يجد بصيص الإنسانية واقفاً في وجهه دائماً، وأن راية الخير ما زالت تعلو ببياضها رغم كل شيء، وفهمتُ أنه في بعض المواقف حين تحضر الإنسانية وحبّ مدّ يد العون؛ فإن دروس الطب وقوانينه تسقط.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *