زيد بن عمرو؛ ابنُه سعيد قائدُ الفرسان، و”صقر اليمامة” #10

عملاق التوحيد.. زيد بن عمرو
قصة بطلنا الحالي تعود إلى العصر الجاهلي، وقتَها كانت العرب تتخذ من الأصنام شركاء لله، فصنع بعض العرب آلهتهم من الحجر، وصنعها آخرون من الخشب، ووصل الأمر ببعضهم إلى عبادة اَلهةٍ مصنوعةٍ من التمر كانوا يأكلونها حينَ الجوع! من بين ركام هذا الوضع الكئيب، خرج رجلٌ من قبيلة قريش، يدعى “زيد بن عمرو بن نُفيل”، هذا الرجل نظَرَ في حال العرب وما يعبدون من الأوثان، فلم تستسِغ فطرته السليمة هذا الأمر، فتوصّل هذا العربي البدوي إلى نظرية علميةٍ لم يتمكن لا الفُرس أو علماء الإغريق من التوصل إليها؛ هذه النظرية العلمية التي وضعها هذا العبقري العربي من فوق رمال صحراء الجزيرة تسمى بـ”نظرية الشاة لإثبات توحيد الله”. تتلخص هذه النظرية في كلمات بسيطة وجهها زيد بن عمرو إلى قومه قائلًا: “الشاةُ خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرضِ الكلأ، ثم تذبحونها على غير آية اللّه ؟!”
بالرغم من بساطة هذه النظرية التي توصل إليها هذا العربي من خلال استخدام عقله فقط لتحليل عنصرٍ بسيطٍ من عناصر بيئته البدوية البسيطة، إننا نتحدث عن رجل عادي استخدم أهم نعمةٍ للإنسان -العقل- لاستنباط حقيقة الوجود التي شغلت البشَر في كل العصور، ومازالت!
ولكي نفهم معنى التوحيد الذي توصل إليه بطلنا يجب علينا أن نسافر إلى أعماق الماضي في صحراء العرب، في ذلك الزمان أتى رجلٌ من بلاد الرافدين، يقال له إبراهيم بن اَزر، فدعى إبراهيم الناس إلى توحيد الله ، ليصبح العرب بعد ذلك موحدين، فسُمّي من كانوا على دين إبراهيم بـ”الحَنيفيّين “، ولكن مع مرور السنين، ذهب رجلٌ من قبيلة خزاعة اسمه عمرو بن لحي الخزاعي في تجارة للشام، فرأى هناك أناسًا يسجدون للأصنام، فلما أنكر عليهم عبادتهم للأصنام من دون الله قالوا له : إننا لا نعبد الأصنام كحجارةٍ وإنما نتقرب إلى الله بأرواح الأولياء والصالحين التي تسكن بداخل هذه الأصنام، فأُعجِب عمرو بهذا التفسير، وطلب منهم أن يعطوه صنمًا، فأعطوه صنمًا يسمّونه “هُبَل”، فأخذه معه إلى قومه ونشر عبادة الأصنام بين العرب.
 
المهم أن الرجل أنكر على العرب عبادتهم للأصنام، وأنكر عليهم أيضًا عادة وأد البنات، فكان رحمه الله يذهب إلى الرجل الذي يريد وأد ابنته فيقول له: “لا تقتلها واتركها تعيش وأنا أكفيك مؤونتها!”. ثم بعد ذلك، قرر زيد الرحيل إلى الشام، لكي يفتش عن دين التوحيد الذي توصل إليه بعقله، لكنه هناك لم يقتنع بدين اليهود، ولم يقتنع بدين النصارى أيضاً، ولكن عالِماً من اليهود وآخر من النصارى أخبراه أن دين التوحيد الذي ينشده هو دين إبراهيم الحنيف الذي لم يكن يعبد إلا الله، عندها رفع زيد يديه إلى السماء وقال مناجيًا ربه: “اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم”. ثم قصدَ مكة عائداً، فأسند ظهره إلى الكعبة وصاح في الناس: “يا معشر قريش! واللّه ما منكم على دين إبراهيم غيري”. 
وفي يومٍ من الأيام، وبينما زيد بن عمرو في بلاد الشام المباركة، جاءه راهب نصراني عَلم بقصته ، فأخبره أن نبيًا سوف يُبعث قريبًا من بلاد العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، فرجع زيد إلى مكة يريد ذلك النبي. العجيب أن زيداً كان يقابل النبي من قبْل البعثة، ويخبره بأمره وما هو عليه من دين.
خرج زيد بن عمرو إلى الشام مرة أخرى، فوجده أحد الرهبان النصارى وأخبره بأن نبي آخِر الزمان الذي ينتظره قد ظهر بالفعل ، فلم يصدق بن عمرو نفسه من شدة الفرح، فأسرع نحو مكة يريد ذلك النبي الذي عاش طيلة حياته يتمنى رؤيته وهو لا يعلم أنه هو نفسه محمد بن عبد الله ، ذلك الشاب الذي كان يقابله في دروب مكة.

قائد سلاح الفرسان

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أبو بكر في الجنة وعمرُ في الجنة وعثمانُ في الجنة وعلي في الجنة وطلحةُ بن عبيدِاللهِ في الجنة والزبيرُ بنُ العوامِ في الجنة وأبو عبيدةُ عامرُ بنُ الجرّاحِ في الجنة وسعدُ بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زَيدٍ في الجنة وعبد الرحمنِ بنُ عوفٍ في الجنة”.
ما عرفت إنسانًا عاديًا في تاريخ الدنيا نفعَ ابنًا له بدعاءٍ بمثل ما نفع به زيد بن عمرو ابنهُ سعيدًا ! فأن يدعو لك أبوك ربَّه في أمر من أمور الدنيا أو الاَخرة فهذا شيء جميل! لقد كان ما يشغل كيان هذا الرجل في حياته هو البحث عن توحيد الله، لذلك رفع زيد يده إلى السماء والدماء تسيل منه، داعيًا ربه:
“اللهم إن كُنتَ حرمتَني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيدًا”. وفعلًا، استجاب الله لدعائه ، فلم يُسلِم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فحسب ، بل كان سعيد سعيدًا بأن جعله الله أحد أسعدِ عشرة سعداء في تاريخ أمة محمد.
 
هل تعلم أن أولئك العشرة هم أفضل بني البشر بعد الأنبياء مباشرة! هل علمت الاَن ما صنعه دعاء زيدٍ الأب لسعيد الابن؟ ولكن سعيدًا لم يكتفِ بكونه ابن عملاق التوحيد في الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل ، ولم يكتفِ بكونه من بين عشرة رجال فيهم أبو بكر وابن عمه الخطاب وذو النورَيْن عثمان بن عفان والبطل علي بن أبي طالب وطلحة الخير وابن عمة رسول الله الزبير بن العوام، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح وخال رسول الله سعد بن أبي وقاص والبطل عبد الرحمن بن عوف، بل اختار رضي الله عنه وأرضاه أن يكون أحد أبطال هذه الأمة الذين فتح الله عز وجل عليهم ممالك الأرض وخزائنها، فكان سعيد بن زيد قائد سلاح الفرسان في معركة “أجنادين” الباسلة ، أمّا في معركة “اليرموك “فقد كان هذا البطل من بين البدريّين المائة الذين فتح الله عليهم بلاد الشام.
بفضل رجالٍ من أمثال سعد ابن زيد بن عمرو، رضي اللّه عنه وعن أبيه، انتصر المسلمون على إمبراطورية الروم الجبارة في كل المعارك التي خاضوها ضدهم. ولقد كان بطلنا أول أمير مسلم لمدينة دمشق العريقة في تاريخها، قبل أن يعتذر هذا المجاهد العظيم لأبي عبيدة عن الإمارة، بعد أن اشتاق للجهاد مرة أخرى، ليترك هذا البطل بن البطل كرسي الإمارة ويتحول إلى جنديّ بسيط في جيش المسلمين.

“صقر اليمامة”.. زيد بن الخطاب

إن بطلنا الإسلامي الذي نحن بصدد الحديث عنه ليس رجلاً كباقي الرجال، بل هو من نوع خاص! من البشر الذين لا يمكن لك أن تفصل ذكر العاطفة عنهم أبدًا، كيف لا وعُمر بن الخطاب نفسُه تمنى أن لو كان بمقدوره نظم الشعر، لكي يرثيه به!
وقد استغرب الكاتب، في البداية، سر ضُعف الفاروق كلمّا جاء ذكر أخيه زيد، واعتقد أنها مجرد عاطفةِ أخ لأخيه ، وهذا جزء من الحقيقة لا يمكن نكرانه، ولكنه عندما قرأ ترجمة هذا الإنسان العظيم فهِمَ سر ضعف الفاروق، فنحن إزاء بطل نادرٍ من أبطال أمة الإسلام، إنه الفدائي البطل زيد بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
بعد وفاة النبي محمد (ص)، شارك زيد في حروب الردة، وحمل راية المسلمين في معركة “اليمامة” التي تراجع المسلمين منهزمين في أوّلها، فجعل زيد يقول: «أما الرجال فلا رجال. وجعل يصيح بأعلى صوته: اللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي، وأبرأ إليك مما جاء به مُسَيْلمة ومحكم اليمامة»، وجعل يسير بالراية يتقدم بها حتى قُتل، مستَشْهداً يومها.
 
“ما هبّت الصبا، إلا وجدتُ منها ريحَ زيد”؛ كانت هذه كلمات خلّدها التاريخ، تحكي وجع عمر بن الخطاب على فراق أخيه زيد بن الخطاب رضي الله عنهم.
يُتبع ..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.