تاريخدين

غُلام “أصحاب الأخدود”؛ “أسد الصحراء” وعُمَر الفاروق #9

  الطفل الذي أعطى درساً في الإيمان 
نفتتح جولتنا البطولية اليوم مع طفل صغير سبق ظهور نبينا محمد؛ لكنه كان مسلما موحّدا على ملة نبي الله عيسى. 
قصة غلام “أصحاب الأخدود” يعرفها كثيرون، وقد ذكرت في القرآن في سورة البروج، وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم، لكن دون أي تفاصيل عن الزمان والمكان. 
تروي قصة هذا الغلام مع مَلك أراد أن يردّه عن الإسلام، فأبى، وقد حاول قتله مرارا وتكرار ولم يحدث ذلك، إلى أن طلب الغلام بنفسه من الملك أن يجمع الناس في صعيد واحد ويصلبه على جذع شجرة، ثم يقول وهو يرميه بسهم: “باسم الله رب الغلام”.. وبالفعل قام الملك بذلك، فقال الناس: “آمَنّا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام”. 
لقد اختار هذا الطفل الموت واقفا، بدلا عن الحياة وهو راكع.. وقد علّمنا وعَلّم الملك درسًا بليغا: “الحياة والموت بيد الله وليست لا بيد ملك أو رئيس أو أي أحد! ” 
  “أسد الصحراء” 
إنه عمر المختار الذي جاهد مع إخوانه من مسلمي تشاد ضد الغزاة الفرنسيين، وليلقن المختار جنرالات فرنسا دروسا في فنون القتال العربي، وقد ذاع صيته في أرجاء إفريقيا ينشر الإسلام ويعلم الأطفال كتاب الله وسنة رسوله. وعاد عمر من المختار إلى ساحات الحرب ثانية؛ عندما أرسلت إيطاليا أساطيلها البحرية لاحتلال ليبيا، فقام بشنّ غاراته ضدهم وباغت جنودهم، ويجعل صحف روما تتحدث عن هذا الشيخ الكبير، وتغيّرت أربع حكومات في إيطاليا نتيجة الهزائم التي ألحقها بالجيوش الإيطالية. 
وبحكم خبرته الكبيرة في أساليب وتكتيكات الحروب الصحراوية أثناء قتاله في تشاد، ومعرفته السابقة لجغرافية بلاده؛ استطاع تكوين كتائب فدائية تضرب العدو وتختفي بسرعة في قلب الصحراء، تقطع طرق المواصلات والإمدادات على الجيش الإيطالي. 
وقد انتصر المجاهدون الليبيون على قوات روما في معركة “الرحيبة” الباسلة عام 1927، وأصبحت تلك الهزيمة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فلم تعد حكومة إيطاليا قادرة على تقبل أية هزيمة أخرى، بعد أن ظهر الجيش الإيطالي بمظهر هزلي أمام باقي جيوش العالم. 
حينها؛ تم إرسال قائد حرب إيطالي يدعى “غرتسياني” قام بإنشاء جدار سلكي شائك على الحدود الليبية المصرية حتى يقطع الطريق أمام إمدادات المصريين إلى المجاهدين، وأنشأ كذلك أكبر معسكر اعتقال سجن في المسلمين و تعذيبهم.. 
في هذا الوقت، استمر عمر المختار في إلحاق الهزائم بالقوات الإيطالية. وفي كمين من الإيطاليين تم التربص بالمجاهد عمر المختار وتم تقديمه إلى غرتسياني الذي سأله: لِمَ تحارب ضدنا؟ فأجاب الشيخ بثبات ويقين: من أجل وطني ومن أجل ديني. وسأله ثانية: وما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟ فأجاب بصوت هادئ: لاشيء إلا طردكم لأنكم مغتصِبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله. 
فقال له القائد الإيطالي : لما لك من نفوذ، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار البدو بتسليم أسلحتهم؟ 
فأجابه بنظرة ثقة عربية غريبة قائلا عبارة خلدها التاريخ: “إننا لا نستسلم أبدا، نموت أو ننتصر”. 
وتم تقديم عمر المختار المحكمة التي قضت بإعدامه، وفي عام 1931 تم إعدام الشيخ عمر المختار عن عمر يناهز الخامسة والسبعين. 
استشهد البطل عمر المختار دون أن يرى استقلال بلاده، لكنه كان قد زرع روح الجهاد في قلوب الليبيين ليُتمّوا ما بدأه من بعده. 
  عُمَرُ الفاروق 
ومن أسد الصحراء إلى عملاق الإسلام، اسم عمر يتجدد معنا، وهذه المرة نقصد عمر بن الخطاب؛ عظيم لا تحصى عظمته في صفحات قليلة من هذا الكتاب، فما بالك في تدوينة مختصرة! 
هنا تذكّرَ الكاتب صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، بعد إسلامه مباشرة، عندما قام بشيء بسيط أغاظ ألد أعداء الإسلام في التاريخ. 
وإليكم ما حدث “لما أسلمتُ تلك الليلة تذكرت اي أهل مكة أشد لرسول الله عداوة حتى آتيه فأخبره أني أسلمت، قلت : أبو جهل، فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، فخرج الي ابوجهل فقال :مرحبا وأهلا يا ابن أختي، ما جاء بك؟ فقلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله ورسوله محمد وصدّقت بما جاء به! فضرب الباب في وجهي” 
لقد اكتفى الكاتب بصفحة واحدة عن حياة عمر بن الخطاب لأنه قال إن سيرته في الزهد والبطولة غنية عن التعريف، وأن مجرد ذكر الاسم يكفي.. 
يُتبع..