محاولة للتصالح مع الذات

لستُ أدري إنْ كان مِن الصواب أن أعلن عن عيوبي صراحةً أم لا، أو بالأحرى نقاط ضعفي. لطالما ضحكتُ من السؤال الساذج للبعض: “قل لي، ما هي نقطة ضعفك؟” 
وهل هناك من سيخبرك بنقطة ضعفه! هل هناك من سيغامر بأن يقدم لك على طبق من ذهب المدخل الذي يُمكن أن تستغله لإيذائه!
أنا سأفعل. ربما لو قرأتُ ما يثير ضيقي في أسطر خفّ تأثيره في نفسي.
لأكون أكثر صدقًا، أنا على خلاف مع شخص لا يمكنني الانفصال عنه لو أردت. أنا على خلاف مع “أنا”، أنايَ تضايقني وتثير حَنَقي! لا تتعلمُ أبدًا. لا تكف عن تكرار نفس الأخطاء -والخطايا- بلا كلل أو ملل.
أذكر أن أول من شعر ببدايات إحدى نقاط ضعفي كان مدرس الفلسفة في مدرستي الثانوية. أخبرني يومًا أنني -رغم تميزي- أفتقد الثقة في نفسي. كلامه سبّب لي الذعر، ورفضته بشدة! أنا لا أثق بنفسي؟! استحالة! أنا أدرك جيدًا نقاط قوتي وأقدر ذاتي بشكل كافي. كيف يراني بهذا الشكل؟!
الواقع يثبت لي كل يوم صحة رأي هذا المدرس… نعم، أنا فاقدٌ الثقة في نفسي رغم أنني أظهر واثقا إلى درجة الغرور أحيانًا. أنا أخشى الرفض. أتردد ألف مرة قبل أن أطلب شيئًا من زميل يخص الدراسة أو حتى خدمة شخصية. أتوقع الرفض باحتمال تسعة أعشار عن الموافقة. أفكر: لماذا عساه يلبي لي طلبي؟ من أنا حتى يوافق؟
المشكلة أن من يتعامل معي لفترة يشعر بذلك الاختلاج الذي يغلّف أوامري لمن هم حولي، اختلاجاتي تخبرهم أنني غير واثق من نفسي، وغير متأكد من موافقتهم! وهذا الإحساس يدفع بهم في أحوال كثيرة إلى رفض ما لا يُرفض!
لهذا السبب تحديدًا لم أعد أفضل أن أطلب من أي شخص أي شيء. أحب أن أفعل كل شيء بنفسي.
لا أدري لماذا صرتُ هكذا على وجه الدقة. ربما كان السبب خيبات متلاحقة في أقرب الناس ساهمت في تكوين هذا الجانب في شخصيتي. قد تكون معاملة أهلي الخشنة الجادة معي، فرغم أنني كنتُ متفوق كنتُ طفل يحسد الأهالي عائلتي عليه، إلا أن مطالبي البسيطة -رغم ذلك- لم تكن أبدًا مجابة! وكنتُ أرى الأطفال من حولي يتلقون اهتمامًا لا يستحقونه من أهلهم بينما أنا أبكي بالأيام لأنال ما أريده.
لم أتعوّد سماع المديح على شكلي، لكن لطالما ظننتُ أنني قوي، لا آبه برأي الآخرين في. هراءٌ آخر.
أنا أهتم. أظهر أنني لا أهتم ولكني لستُ حقًا بتلك القوة. ونتيجة أنني أهتم فأنا أبالغ في تأويل تصرفات من حولي. أربط كل أفعالهم مهما كانت تافهة بأن لها علاقة بي، خصوصًا السلبية منها. يبدو أنني شخصية اضطهادية، تظن أن العالم كله يتآمر ضدها.
أنا حساس لأقصى درجة. وأنا بالثانوية كنت أكثر جموحًا وانطلاقًا. مهما حدثت من مشادات في الطريق أو مع زملائي لم أكن أبالي، ولا أتوقف عند الأمر إلا لساعة ثم أنساه برمته، وقد كنتُ كذلك في أول عام لي في الجامعة. تحولتُ الآن إلى شخصية أكثر جُبنًا وتعقلًا، ما أشعر به الآن مختلف تمامًا. فالحوادث الصغيرة التي أتعرض لها بشكل يومي تفسد عليّ كل أنشطة حياتي الأخرى.
مشادة تافهة لا يتوقف عندها أحد، قد تتسبب في إلغائي لموعد مع شخص! لماذا؟ لأن عقلي لا يستطيع الكف عن التفكير فيها، فأعلم أن يومي فسَد كليةً!
أنا لم أكن هكذا من قبل! ما الذي حدث؟ لماذا أصبحت بتلك الهشاشة؟ ما كل هذا الضجيج الذي يملأ عقلي ويستهلك طاقتي في اللاّشيء ؟!
لأكون أكثر صراحة، لماذا أصبحت أفكاري تتمحور حولي بهذا الشكل المزري! ما هذا الفراغ! أغلب حديثي مع نفسي سلبي، وفي نفس الوقت فأنا أتحدث “عنّي”! أدور وأدور حول ذاتي، فتتضخم المشكلة. قد تظنون أنني “فاضي”، على العكس، يومي ممتلئ بشكل كامل تقريبًا، ورغم ذلك فرأسي لا يكفّ عن التفكير في “أنا”.
هل أقسو على نفسي لو فكرت بهذه الطريقة، فأدخل في حلقة مفرغة لا فكاك منها؟ أنا الآن في مرحلةِ تصالحٍ مع نفسي، فضلا عن رغبتي الملحة في بناء شخصية شاب مسؤول وطموح لأبعد نقطة ما يمكن تصورها.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *