بالعودة لمجزرة نيوزيلاندا

استفقتُ صباح الخامس عشر من مارس الماضي على وقع مصيبة مدوية، هي فاجعة لم أستطع لا أنا ولا الكثيرون أن نستسيغها، جعلتني أتأكد أني حقا مستيقظ وأن المهزلة بمجملها ليست مجرد كابوس روتيني عابر. نعم يا سادة ! الخبر وقع ويا أسفاه كم أتمنى لو كان محض إشاعة. 
في منطقة منعزلة في قلب المحيط الهادئ، وفي أرض يقولون عنها هادئة كما المياه التي تحيط بها، في دولة أسموها نيوزلندا والتي تعني “الجزيرة الجديدة” وما كان جديدها إلا أنها كانت أرضا لشعب أسود البشرة قبل حوالي قرن من الزمن، حيث كانوا يعيشون ببساطة و سِلم بعيدا عن ضوضاء العولمة، إلى أن قدم إليهم المستعمر الغربي مرتديا لباس الحضارة والتسامح، ومتعللين بدافع الاستكشاف والتعارف؛ لكنكم تعرفون ما حدث بعد ذلك، إبادة جماعية للسكان الأصليين، ولكي لا نخرج عن الموضوع، اقرؤوا عن تفاصيل بشاعتها فيما بعد.
أعتذر عن هذه النبذة التاريخية الطويلة بعض الشيء، ولكن لولا محوريتها في القصة لما فعلت، لكي أضعك في الصورة عزيزي القارئ المحترقُ فؤادُه(ها). هناك في أقصى شرق الخريطة التقليدية للكرة الأرضية، ومع ذلك ينسبونها إلى دول الغرب المتقدم العلماني المحترِم للاختلاف وحيث الكل يعيش مع الكل في سلام ووِئام، هناك أتى نموذج من أحفاد الأجداد السابق ذكرهم ليقوم بعمل خيري -أعني إرهابي- سيخلده التاريخ الذهبي -أعني الدموي- لهذا النوع من البشر -أعني الهمج- الذي بلغ من التطور ما لم تبلغه الديناصورات في الفتك والقتل.
في مشهد درامي شبيه بما يقع في أفلام هوليوود للأكشن، وبأسلوب لعبة PUBG حيث الهدف من المهمة هو إبادة الجميع بأي أسلوب كان، والأروعُ الأبشعُ أن كل هذا تم على المباشر وكأنه يصور لقطة من أفلام Marvel للإثارة. و بينما هو في خضم العمل البطولي -أعني السادي- كان هناك الآلاف من هنا وهناك يتابعون الفيلم الحصري على منصات التواصل الاجتماعي الذي سبق ودفعوا ثمن تذكرته مسبقا، مستمتعين بالمنظر الرائع -أعني المروع- و يهتفون بكلمة واحدة “اقتل ! لا ترحم ! المزيد ! نحن نريد المزيد !” أنا لا أتخيل الأمر يا سادة ! فتقارير الشرطة أقَرَّت أن الجاني كان يحضر للعملية منذ سنتين كاملتين، وأنهم سبق لهم وأن تلَقَّوا إنذارات مرات عديدة عن تحضيرات هذا الشخص بمساعدة شخص آخر، وبعدما حصل ما حصل، اكتَفَوا بتسميته “يميني متطرف” فطالما هو ليس مسلما، فإنهم لن يتجرؤوا على تسميته “مسيحي متطرف” ولا حتى “ملحد إرهابي” إنها لعبة الكلمات التي تُرَوض الرأي العام بكل ذكاء و دهاء.
ولن أتعجب فيما بعد إذا ما أقروا انتماءه لتنظيم داعش -الإسلامي المتطرف- ولن أُصدق أنهم ألقَوا القبض عليه، لأننا ألِفْنا أن يتم التضحية في هكذا هجمات بكبش فداء يدفع ثمن ما فعله شخص آخر ينعم بحصانة سياسية وقضائية تجعله يفر بفعلته، و يستكمل حياته في ثوب البطل القومي الذي خلَّص دولة هادئة من 50 مسلم ومسلمة -أقل تطورا- حسب نظرياتهم العلمية المزعومة.
ورغم كل هذا وذاك، لم نشهد حدادا وطنيا لا في دول حقوق الإنسان كالويلات المتحدة وفرنسا وبريطانيا… ولا حتى في دول المسلمين كما يجب أن يكون الحداد. بل اكتفى هذا الرئيس وذاك الملك ورئيسة الوزراء تلك بإلقاء كلمةٍ وإرسال برقية تعزية بمصطلحات من قاموس لغة الخشب، في حين أن الشعوب المسلمة اكتفت بالصدمة والحزن لبرهة وانتهى.
لأنه بكل بساطة، كمسلمين، بعد وقائع بورما و سوريا والروهينغا وفلسطين وألبانيا… تبيَّن أن دَمَنا رخيص ووُجودنا غير مرغوب فيه، بل حتى الأوكسجين الذي نتنفسه يعتبرونه عبئا ينغص عليهم حياتهم، كيف لا؟ وأغلب مخاوفهم أن يعود الإسلام إلى سابق عهده، وأن يستمر في خطه التصاعدي منتشرا في كل ربوع العالم وهم عاجزون عن وقف زحفه رغم محاولتهم بكل الإستراتيجيات والمكائد والمجازر… التي لولا مواقع التواصل الاجتماعي لَمَا علمنا بحدوثها أصلا وفصلا. لكن، لا تحزن ! إن الله معنا.
ويبقى خير ختام لهكذا غيض من فيض، هو قوله تعالى على لسان سحرة فرعون في وجه الطاغية فرعون :
“قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (73) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ (74) وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ (75) “
و رحم الله روحا سَلَّمت روحها للبارئ في ذاك اليوم المبارك، اللهم أبدلهم دارا خيرا من دارهم وأهلا خيرا من أهلهم، مع الشهداء والنبيئين والصديقين وحَسُن أولئك رفيقا !

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *