بلد تنوع الثقافات .. المملكة المغربية

لقد ولدت في بلد يسمى المغرب. رقعةٌ جغرافية كبيرة، تنضح بالتنوع، في كل شبر من أرضها الطيبة يوجد جمال وثراء ثقافي ولغوي وفني منقطع النظير. بلد عُرف كنقطة انصهار قوية لمختلف التيارات الحضارية المتنوعة منذ عصور قديمة.
في هذا البلد ولدت.. صدفة، ترعرعتُ في محيط يعج بالاختلاف. وكنت يوما بعد يوم أتأكد أن هذا البلد اسثتناء، ربما هو شعور وطني يتغذى من الفخر والاعتزاز بالماضي الجميل، أو ربما هو بالفعل استثناء واقعي يرتكز على معطيات سياسية وحضارية وثقافية حقيقية.
في أقصى شمال غربيِّ القارة السمراء يقع المغرب، أو كما نسميه بلهجتنا العامية “المغريب”، أو كما يسمونه في الجزائر الحبيبة “ماروك”، “مارويكوس” بلغة جيراننا الإيبيريين، و”موروكو” بلغة شكسبير. تتعدد المسميات والبلد واحد، إنه بلدي الذي نشأت فيه، وكنت وما زلت شاهدة على ثرائه وعجائبه وغرائبه التي لا تنتهي، كلما اكتشفت شيئا جديدا أخذني إلى عوالم أخرى أجهلها.
يمتزج في المغرب أحيدوس بالموسيقى الأندلسية، المديح والسماع، بتقاليد الإسلام الصوفي، فيه الأمازيغ والعرب والأندُلسيون والأفارقة، تكتُّلٌ من مقتضيات التاريخ والجغرافيا. تختلط فيها الألسن والثقافات واللهجات مُشكلةً بذلك لوحة ثقافية فريدة من نوعها.
انظر إلى فاس ومكناس، رغم قربهما إلا أنهما مختلفتان كاختلاف الليل والنهار، فاس بتقاليدها العريقة كأول عاصمة للمغرب وحاضنةِ أول جامعة في العالم؛ بينما مكناس عاصمة الدولة الإسماعيلية ومعقل الطريقة العيساوية إحدى أهم الطرق الصوفية في بلاد الغرب الإسلامي.
انزل قليلا تجدْ ما هو معروف بالصحراء، ابدأ من الوسط الشرقي من ميدلت إلى الراشيدية وأرفود التي تُعرف بموسم التمور، مرورا بتنغير وبومالن داداس إلى محاميد الغزلان هناك تجد البرَكة والخير، يد الله موجودة هناك.. انزل بعدها إلى الصحراء المغربية بداية من العيون العامرة إلى الكويرة، انظر الى أم دربكة والداخلة مرورا ببئر انزران، ألقِ نظرة على الشمال تجد شمالا شرقيا مختلفا عن كل الشمال من زرقة ودلع في الكلام؛ توجد وجدة بالركادة وبوعرفة بوعنان و وبذنيب..، كل المتناقضات موجودة في أقرب المدن فما بالك بأبعدها وهذا ما جعل من المغرب فسيفساءَ جميلة متناسقة لن تستشعر نكهتها إلا إذا وقفت بعيدا عنها.. في الغربة!
‎كان من الممكن أن أولد في مكان آخر، في الهند مثلا، أو النرويج.. أو اليابان، أو البرازيل.. أو حتى في بلاد قريبة كتونس أو الجزائر أو أي بلد آخر في العالم. غير أن الصدفة الوجودية لسبب غامض قررتْ أن أولد في المغرب.
هذا ليس مهما الآن.. أنا الآن مغربية، وما حصل كان لا بد أن يحصل. ولذلك فلا يمكنني أن أكون إلا مغربية.. وحتى وإن حاولت جاهدة أن أكون غيري فسوف أفشل حتما في أن أكُونه، بل لربما فشلت في أن أكون نفسي مرة ثانية. أنا مغربية فقط، وسوف أموت وأنا كذلك، لا مفر مني إلا إليّ.
‎لكن هناك أمرا مؤلما حقا، إني أفكر على الدوام في الهرب بعيدا، إلى أقصى مكان، ليس لدي تصور واضح عن هذا المكان، ولا عن أهله، وجغرافيته. لكني في الحقيقة أريد أن أهرب!
المغرب بلد جميل، جميل حقا، خبزه لذيذ، أكله لا يُعلى عليه، نساؤه طيبات، وطبيعته تسر الناظرين الأجانب. وفي ما يُعرف بصحرائه توجد سيدة مقدسة هي أمي، وإني أحبّها كما الأرضَ والوطن. كل هذا جميل، ومثير ورائع، لكن جماله في الواقع، لا يشدني إليه، بل كلما أمعنت النظر فيه، وعلمت علم اليقين أنه ليس لي، يحثّني على الهرب.. الهرب بعيدا عن هنا، حاملة في داخلي وطنا جميلا طاهراً إلى أبعد نقطة في العالم. 
‎إن المرء في وسعه أن يحتضن وطنه في قلبه بمحبة كبيرة، إذا ضاق هو عن احتضانه.. فلنهرب بعيدا، بعيدا جدا فلا شيء سيتغير.. فلنهرب إلى وطن يصون لنا الكرامة ويحفظ لنا حقوقنا إلى بلد يمنحنا قيمة المواطن الشريف. فلنهرب إلى أي بقعة من الأرض فلا شيء سيتغير!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *