الكتابة

كتابة سرمدية

فعل الكتابة ذاتي، ولطالما كتبت للافراج، لإرضاء نفسي، لإفراغها من آلامها وعذاباتها وخطاياها والاهات التي نالت منها، لجدولة الأفكار وترتيب الأولويات، وإزاحة جبل الجليد عن قلبي، لرسم حياة مثالية وددتها،لاغازل نفسي في عديد من لحظات البؤس، لكن؛ لم أعد أستطيع ممارستها بهذه الأنانية_ ربما أنانية_ مادمت اكتب لي وعني .. لست أدري.

أوقفت الكتابة فترة قصيرة، لم أحتجها، أو ربما عثرت على ممارسات أخرى تخفف ثقل الأشياء عني، ربما أوجدتني بأماكن تريحني، ذلك أن الكتابة تعريني كما الخريف يعري الشجر، تخضعني لها أكثر مما أخضعها لي، والخضوع يريح أحيانا.

لكن الأمور تتغير بسرعة، وخصوصا في أيامنا هذه..أيام السنين في طولها، مذ ولدنا ونحن في صراع مع الوقت وما يغيره فينا وفي محيطنا، كذلك تغيرت علاقتي مع الكتابة.

ربما هي من تحتاجني أكثر مما أنا أحتاجها، ربما لم تولد معي لأكتب لي وعني، لأكتب لأشياء أكبر، وأعمق وتستحق الكتابة أكثر مني.

للذين يحملون عذابات اكثروأكبر، وجراح عتيقة وعفنة، للذين تصدح السماوات بدعائهم ونجواهم في دور العبادة، في خلواتهم في غرفهم الضيقة بين الأربع جدران، الرطبة، الخانقة..

للبكائين على الطرقات الخالية، فوق جسر المشاة، داخل الحمامات العامة،داخل الثلاجة ،تحت الكنبة، بين يدي الغرباء.

للأشخاص الذين يضعون الورود على القبور، ويرحلون على عجل، يهرولون هربا من الحنين والذكريات والندم..هربا من السؤال.

ربما علي أن أكتب من أجل الفتاة التي تقيم لنفسها ملهاة من نوع آخر، كي لا تفكر بما يحز في نفسها، وبصراخ الحب الذي يحتضر في قلبها، كي تبعد الفراغ عن أيامها، دون أن ينتبه أحد لكل هذا…

للواتي يحكين حزنهن للوسادة ليلا، للواتي يرافقهن القلق دوما،للصامدات بعد لاف النكبات، للهالات السوداء في وجوه الجميع، للعجوز الغافي في دربنا، لجارتنا التي اكل المرض جسدها النحيل ،للعشريني الشارد في الأزقة،للفقراء، للتعساء من الأغنياء، للأصحاء الوحيدين في المصحات العقلية، للمرضى الذين يستيقظون صباحا ويمشون غافلين نحو الرزنامة، يضعون علامة على خانات الأيام التي مضت، ويرجون النهاية في خانات الايام القادمة،للمشتاقين،لاحبة المسافات البعيدة ،للذين نال منهم الزمن ،لتجاعيد الأطفال ،لصوت الأموات في المقابر ..هؤلاء كلهم لهم الكتابة سرمد..

الكتابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *