العشرين عمر الاستقلالية

عشرينية العمر طفولية الهوى

و عانقت العشرين أخيرا، لقد صبرت كثيرا حتى أبلغ هذا السن، العشرين بالنسبة إلي عمر الاستقلالية والحرية أكثر من كونه عمر الزهور أو الشباب أو الصحة الجيدة، استقلالية حلمت بها طويلا وباستنشاق نسماتها. قضيت سنينا عجافا وأنا أنتظر تلك اللحظة التي سأنزلق فيها من قبضة الأب؛ الأب في أسرتي رمز للسلطة والجبروت فقط! لطالما سمعت أن الأب هو نبع الحنان والتضحية، ربما يفعل والدي الأمر ذاته لكنني لم أستشعر يوما ذلك ولم أنهل قط من نبع كهذا، بل جوعي للحنان الأبوي جوع نسناس لا تشبعه إلا صور رسمتها لي وأنا أركض بين الأزقة وشعري الأدهم يتبعني، عشرينية العمر طفولية الهوى.

أذكر جيدا ذلك اليوم الذي التقى فيه دربي بدرب أبي، عمري آنذاك لم يكن يربوا عن السابعة إلا قليلا، البرد يلحف الأجسام وأنا أركض مع أترابي بشغف طفولي، فاستقبلت وجنتاي الحمروان صفعة من حيث لم تحتسب، جاثية على الأرض سقطت، متكورة في كنزتي الصوفية انكمشت، ظل أبي يومها لم يكن يختلف كثيرا عن ظل العملاق الشرير في رسوم الأطفال، أغرقني وابل الشتائم والصراخ وبدون سترة سباحة أبحرت، شعرت بمغص وغثيان لكنني مسحت دموعا تسللت من عيناي، داريت الألم وانصرفت ذليلة أتحسس الجدران علها تطبطب على الجراح الدامية.

كبرت بعدها شيئا فشيئا وتواتر علي القمع وتجرعت علقم الأيام تباعا، ولم يكن لي من سبيل أمام ذلك سوى الخضوع، حالمة بإضرام ثورة على أب أحمل جيناته ويذكرني انعكاس وجهي على المرآة بملامحه، كمواطن مضطهد عشت العقدين أمني النفس بجيل ثائر واع يخلص أمة ثكلى من جحيم مستعر.

اعتدت النوم باكرا، كنت أسلوا به كمريض سرطان أضعفه برحاء المرض، واشتد عليه وابل العذاب يخيفه وجهه الساهم على المرايا و ينتهي به المطاف غائرا وسط سرير المستشفى مستسلما لطنين الأجهزة، متضرعا للمولى يطلب منه موتا رحيما ينهي محنته، كان السرطان ينخرني أنا الأخرى، لكن سرطاني أبوي يؤلم أكثر ويجعلك تتمنى الموت بزيادة، لم يكن النوم سلوانا فقط بل كان خلاصا رحيما من الليل، الليل الذي يهجم علي كصخرة ثقيلة تتربع على صدري، أخاله قاتلا سينهي حياتي السخيمة خنقا، كجبان في معارك الحياة كنت! تربى في الخوف من الليل،

والأحزان، والسواد، و الصخور وأبي… أبي الذي خضب الشيب سواد شعره، وأتى الكبر على قدميه فشلهما، غائرا وسط أريكته يقضي الليل كما النهار، وعشرينية أنا حائرة بين بر جلادي ورعايته وقد بلغ من الكبر عتيا وبين حريتي و شعر بهيم يلهث خلفي بين دهاليز العمر.

آه يا أبتي، غدار هو الزمن يسقط الحاكم الجائر من سدة حكمه قبل أن يفعل بالأب المتسلط، فكيف تناسيت لحظة كهذه يوم صفعتني وأنا ابنة السابعة لا أعرف من الأبوة سوى حضن لونته على كراسة الرسم! ولماذا كنت صدرا ضيقا والكون برمته واسع عريض؟ برك أبي جئت سائلة عل عمري العشرين يزهر، عل طعنات الصغر تندمل، عل نزيف القلب يتوقف!

العشرين عمر استقلالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *