الأمثال الشعبية ودورها السلبي في بناء المجتمع الذكوري

إن جميع الأمم والشعوب لديها موروثها الثقافي الذي تُخزنه الذاكرة الشعبية، فالعديد من هذه المظاهر الثقافية والنفسية والاجتماعية التي تكون الكائن البشري داخل نسق ما يسمى بـ”الوعي الجمْعي”، أو الثقافة الشعبية التي تختزنها ذاكرته، تساهم فيه الكثير من المؤطرات النفسية والثقافية بتشكيل نسق نمطي يسعى الإنسان داخل بيئة معينة أن ينساب وراءه طوعا أو كرها، ولا يستطيع في الكثير من الأحيان أن يتحرر من قيوده إلا بشق الأنفس؛ نظرا لإحكامه الخطير المحاط بسياج معرفي، يبدأ بالقمع، وتنتهي بالتأطير القسري للعقل الإنساني شاءَ أم أبى.
ولعل خير ما يمثل هذا الوعي الجمعي والذاكرة الشعبية ما تعرفه جميع الثقافات والحضارات على حد سواء من اختزال الرؤية النمطية تُجاه موضوعات الحياة المختلفة عبر ما يسمى بـ”المثل الشعبي”. 
إن المثال الشعبي اعتُبِرَ، على مر العصور، أنه الخزان الثقافي الذي يعبر عن مقدار وعي مجتمع ما أو تخلفه، وما زال من بين أهم الأسباب التي تكرس بعض المظاهر الاجتماعية والفكرية الخاطئة التي تساهم في النمطية الفكرية، ومن بين هذه النمطية ما يصطلح عليه بـ”المجتمع الذكوري” الذي ساهمت فيه الأمثال الشعبية كما سنبيّن ذلك.
الأمثال الشعبية هي عبارة عن تجارب إنسانيّة يتم صياغتها على شكل مختصر تعبر عن تلك المضامين بأسلوب سلس وشيق، وغالبا ما تكون ذات حكم رصينة، وتعتبر هذه الأمثال الشعبيّة أحد الفروع الهامّة التى يبحث فيها علم الاجتماع وعلم نشوء الشعوب والأجناس وعلم الأنثروبولوجى، وذلك لأنّها تعتبر بمثابة فهرسة لعادات وطِباع وتجارب وتراث وثقافة ومفاهيم الشعوب، ويوجد كتاب من تأليف “أحمد النيسابورى” يحمل عنوان “مجمع الأمثال” وهوكتاب يعد أول كتاب جامع للأمثال العربيّة القديمة “ظهر الكتاب في القرن السادس الهجري.
وتختلف الألفاظ والحكم ودلالات الأمثال الشعبية من مجتمع إلى آخر، حسب الظروف والعوامل الاجتماعية المساهمة في ذلك، وكذلك يختلف تقبل الناس لبعض هذه الأمثال حسب وعيهم الثقافي والفكري. إن غياب التعليم وتفشي الأمية بشكل كبير في صفوف النساء بالخصوص قد ساهم بشكل كبير في انتشار هذه الأمثال في وسطهن، حتى وإن كانت معظم هذه الأمثال لا تصبّ في صالحن؛ لذلك إذا تمّ تعليم المرأة وزادت نسبة الوعي في صفوف النساء، لن يلجأن إلى استخدام هذه الأمثال، التي معظمها كان سببا رئيسًا في بناء مجتمع ذكوري محض. وهذه الأمثال ليس الرجال من صنعها وحدهم أو النساء، بل هي تراث شعبي لا دخل للرجل أو المرأة فيه أو في صنعه.
الأدب الشعبي، أو الموروث الشعبي بشكل عام هو موروث يمثل الجماعة وليس الفرد، فإذن هو يمثل هؤلاء الناس الذين صنعوا الحياة في حقبة زمنية معينة، وفي ظروف معينة، ولهم هوية معينة، فهو يمثل الجميع، فهو يمثل المرأة ويمثل الرجل، و يمثل الطفل، ويمثل كل شيء.
فالأمثال الشعبية كما أنها تعد موروث ثقافي إلا أن بعضها لها آثار سلبية خصوصا تجاه المرأة بالتحديد، وتكاد أن تلغي -هذه الأمثال الشعبية- دور المرأة في المجتمع، إذ أن المرأة في تلك الأمثال تظهر كشخص “ماكر” أو “غبي”، أو “متسلط” و”انتهازي”، أو “عورة” أو “خائنة” ..
وعندما أراد المَثل أن يظهر أهمية الدور الذي تلعبه المرأة في المنظومة التربوية لم يجد أحسن من الأتان (أنثى الحمار) لتُشبّه بها المرأة “مولات الدار عمارة ولو كانت حمارة”. وعندما أراد أن يصُدّها عن الكلام قال:” المْرْأة كتربط من لسانها، والبهيمة تربط من لجامها”. وعندما أراد أن يذمّها كيفما كان حالها سواء كانت قصيرة أو سمينة، شبّهَها بالبطة إن ازداد وزنها وبالقطة إذا خفّ وزنها: “البنت القصيرة إذا سمانت بطة وإلى ضعافت قطة”.
لو وقفنا مع كل مثال، سيطول بنا الأمر لكن لا بأس أن نذكر بعض هذه الأمثال التي تكون في بعض الأحيان شكلا للعنصرية ونابعة منها، بالأحرى سبب تكوين مجتمع ذكوري:
“سعد البلدة كيرد العروسة قردة، والعكوزة جلدة”، “اصبح الديك على الفريك، وصبحت العمشا على الكُحل”. ” اللوسة سوسة وَخّا تْكُون فحال الخنفوسة”. “البنت تأكل ما تشبع وتخدم ما تقنع”. “دار البنات خاوية”. ” البنت لا تعلمها حروف ولا تسكنها غروف” “الفكوسة تتعْواج من الصغر”، “ربي بناتك تنكي حسادك”. “اللي فاتك خلّيه لبْناتك” “البنت إما راجْلها وإما قبرها”. “العاتق في الدار عار”، “زواج ليلة تدبيرهُ عام”، “خُذ المرأة الأصيلة ونم على الحصيرة”، “إلا تتزوج تزوج الأصول ما يْلقا العدو ما يقول”، “الخير مْرا والشر مْرا”، “الربح من لمرا والزلط من لمرا”. “مرا تْعَلّيك ومرا تْعَرّيك”. “المرا بْلا وْلاد بحالْ الخيمة بلا وْتاد”. “شاوروهن وخالفوهن”. ” طاعة المرأة نْدامة”.. إلخ.
إذا قرأنا هذه الأمثال قراءة سيميائية سنجدها بأنها تترك آثارا سلبية في عمق الانسان سواء كان ذكرا أو أنثى، وتولد لذا الطفل منذ نعومة أظافره أحكاما مسبقة، ليس عند الذكر وحده بل عند الجنسين معا.
لا يقتصر الأمر على مجتمعنا فقط، بل هو منتشر في جميع أنحاء العالم، بحيث أن الصورة السلبية عن المرأة في الأمثال الشعبية لا تقتصر على الدول العربية فحسْبْ، بل في دول العالم بأسره؛ ففي كتاب للباحثة الهولندية “مينيكه شيبر”، أستاذة الدراسات الأدبية المقارنة بجامعة لايدن الهولندية والذي حمل عنوان: «النساء في أمثال الشعوب… إياك والزواج من كبيرة القدمين»، الذي استعرضت فيه جهد خمسة عشر عاماً من البحث في مختلف الأمثلة الشعبية المتعلقة بالمرأة في مختلف الشعوب، حيث جمعت 15 ألف مَثَلا من أكثر من 278 لغة مختلفة؛ ومن اللافت للنظر أن الـ 4.000 مثَل الموجودة في كتابها، تصنع صورة سلبية للنساء إلى حدٍّ ما، ومن بين الأمثال التي ورد تحليلها في الكتاب:
“ليس هناك من شرّ أكثر من زوجة الأبّ. “يوناني”
” حرة الفم حرة العجيزة. “إنكليزي”
: “عقل المرأة في رحمها. “إيطالي”
“ابن واحد أعرج خير من ثماني عشر بنتاً ذهبية. “صيني”
“المرأة هي أفضل قطعة أثاث؛ حيث يمكنك أن تستخدمها في أي حجرة. “هولندي”
“ما لا يقدر عليه الشيطان، تقدِر عليه المرأة. “ألماني” 
” ثلاث بوصات من لسان امرأة كفيلة بذبح رجل طوله ستة أقدام. “ياباني”
” النساء أكثر ثرثرة من الرجال بتسع مرات. “عبري”
” أنصت لزوجتك مرة كل أربعين عاماً. “تركي”.
الأمثال الشعبية ليست كلها ضارة، وكذلك ليست كلها نافعة، لذلك وجب علينا تلقّيها بعناية، لأننا مهما فعلنا لن نستطيع أن نتخلص منها، سواء كانت ذات الأثر الإيجابي أو السلبي، ولكن بإمكاننا أن نحسن استغلالها، أو بالأحرى أن نقلل من ثأثيرها على الواقع الاجتماعي، وذلك بتثقيف المجتمعة كافة خصوصاً النساء، من أجل أن نتلقى هذه الأمثال بطريقة نقدية ونأخد ما هو صالح ونطرح ما هو فاسد.
إن النقد يكون بالوعي الجمعي عن طريق تثقيف المجتمع، كي يصير مجتمعنا مجتمعا واعيا، يفكر بطريقة منهجية لا يقبل كل شيء يعرض عليه، بل يميز بين الشيء النافع والضار، كما أنه لا يجب علينا أن نحكم على المجتمع من خلال مظهره، فالثقافة ليست شعرا يصبغ، أو ثيابا تلبس، أو سيارة تركب، أو منزلا يُسْكن..
إن معظم هذه الأمثال، الواردة أعلاه، تتناقض مع تعاليم ديننا الحنيف الذي لم يجعل تفرقة بين الذكر والأنثى إلا من حيثيات مَخْصوصة حسب طبيعة الفرد ووظيفته.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *