تضحية مميتة

فوق سرير باردٍ، أمضى ليلته الأولى يتعرف على عالم جديد أُدخِل بين سراديبه عنوة ودون سابق إنذار، فقد كان مشغولا لدرجة أنه لم يفكر أنَّ ما قام به قد يبعثه إلى هذا المكان الموحش، كان همه الوحيد والأوحد أن يعيش الكل بسلام وبمستوى يليق بالانسانية ولاسيما بنُو جلدته الذين هم نفسهم من خانوه وباعوا قضيته؛ لم يستغرب لذلك كثيرا لأنه قرأ في أحد الأيام أنه بعد القبض على جيفارا بمخبئه الأخير بوشايةٍ من راعي غنم، سأل قائدُ الضباط الراعيَ الفقير:
 لماذا وشيت بِرَجُلٍ قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟ 
 أجاب الراعي: كانت حروبه مع الجنود تُرَوِّع أغنامي…!! 
و أين هو من هذا الذي ثار على الكل حتى يضمن حقوق أمثال ذلك الراعي.. فوشى به دونما اعتراف بالجميل… 
بين جدرانٍ لا يعرفها ولا تعرفه يبتلع واقعه المر، وفي قلبه غصة أنه ضحّى من أجل أناس لا يستحقون، لكن ما يهوّن عليه أنه صار بطلا أمام نفسه قبل أي أحد، ففي كثير من الأحيان خاف أن يتخلى عن مبادئه من أجل الحرية وما الحرية إلا مفهومٌ نسبي كباقي المفاهيم، فقد يشعر المرء بنفسه حرا طليقا وإن كان خلف القضبان .. 
تأملَ تلك الحجرة رغم الظلام الدامس ووَشْوَش بصوتٍ لا يكاد يُبِين: يبدو أننا سنصبح أصدقاء إلى حين تنفيذ الإعدام…!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *