بين حب الوطن وصفعات الواقع

ماذا أعطاني هذا الوطن؟

تزايدت القضايا وتراكمت الأحداث، فأثقلت كاهل المواطن العربي للدرجة التي يعجز فيها أحيانا عن الإفصاح حول شعوره تجاه وطنه.

صارت “الوطنية” لفظا صغيرا يسهل ابتلاعه، ولم يعد يقف في حلق المواطن ويجعله يصرخ بأعلى صوته حين تلتقط أذناه كلمة تنقص من قيمة بلاده، لم تعد لتلك الكلمة هيبتها ومكانتها في قلب المواطن وهو اليوم يخوض غمار العيش في وطن منهوب وغير مستقل.

صار من المؤسف جدا مشاهدة فيديوهات للمهاجرين العرب يرقصون ويسجدون شكرا وحمداً لله فوق شواطئ بلدان الشمال وهم في غاية السعادة، وكأنه الخلاص من مأزق عظيم أو الفرار من الجحيم…. إنها بكل بساطة “الحرية من الوطن.”

سجود مهاجرين مغاربة وصلوا للضفة الأخرى

خلال هذه الآونة بالضبط، قد تخرج وتقصد أي شارع في أية بلاد عربية وفي يدك الميكروفون وتسأل المواطن عن السبب وراء عدم ثقته في الدولة، وسيكون الجواب واضحا وضوح القمر. المواطن لم يعد يثق حتى في تراب وطنه الذي يمشي فوقه، لم يعد يثق في المؤسسات، لم يعد يثق في نفسه أيضا، وصار ينفث عنه مفهوم الوطنية وكأنه غبار عالق في ملابسه..

ماذا أعطاني هذا الوطن؟”
هذا هو السؤال الذي يطرحه المواطن العربي حيثما كان، ماذا أعطتني بلادي في مقابل إخلاصي لها؟ بماذا جادت علي أيادي الحكام؟ أين هي أبسط حقوقي في وطني؟

يقول محمد الماغوط في كتابه “سأخون وطني“: ماذا فعل المواطن العربي لحكامه خلال 30 سنة حتى يعامل هذه المعاملة ؟ أعطاهم أولاده للحروب وعجائزه للدعاء ونساءه للزغاريد وكساءه لليافطات ولقمته للمآدب والمؤتمرات وشرفاته وموطئ قدميه للمهرجانات والخطابات. وطلب منهم نوعاً واحدا من الحرية وهو النوع المتعارف عليه في أبسط الدول المتحضرة”.

يبدو الأمر جليا، فالشعوب الثائرة لم تكن لتثور عبثا، كل شيء منظم والأحداث وليدة الأسباب طبعا، فلن تجد الشعب في بلد ما يحتج ويصرخ في الزقاق عبثا و بدون علة.

فحين ننظر إلى بقية البلدان، ونلمح مدى انتشار السلام والسكينة في مدنها، فإن ذلك دليل على مدى قيام الجهات المسؤولة بأعمالها وأدائها لمهامها على أحسن وأتم وجه، فقد خدمت المواطن أجمل خدمة وجعلته سيدا. وحين تسأل المارة في الأزقة عن الوطنية، فإنهم يجيبونك بأسمى العبارات وأنبل الكلمات.

بخلاصة، الوطنية ليست قيمة مستقلة عن الأحداث بل هي مرتبطة أشد الارتباط بالتاريخ والوقائع.
وحين يقول العربي: “ما عدت أشعر بانتمائي وفقدت الثقة في مصادر الحكم”، فهنا يجب وضع علامة استفهام بالخط العريض وطرح السؤال التالي: ما الذي يجعلك أيها المواطن العربي تفقد الشعور بالوطنية الصادقة وتفرح حين يلقيك القارب على شاطئ من شواطئ البلدان الأخرى التي تصفها بالجنان ومروج التحضر والرزق ؟

يجيبك العربي: لقد ولدت في ظروف صعبة بأحد المستشفيات التي يقصدها الناس من أجل التعافي، غير أنهم يلقون حتفهم هناك، والأسباب تتعدد ولا تحصى ويتزعمها “الفساد”. ثم نشأت في حي صغير ودرست في مدرسة حكومية، حيطانها هشة ومقاعدها متآكلة، وكنت أحصد أعلى المعدلات، بالرغم من رداءة التعليم في المدرسة.

بعد ذلك التحقت بالقسم الاعدادي ثم الثانوي، اجتزت امتحان الباكالوريا ونلت الشهادة والتبريكات، ثم وجدت عدد الفرص يقل في وجهي فتخليت عن عدد من أحلامي، ثم التحقت بالكلية ودرست هناك كطالب يبحث عن العلم بالرغم من صعوبة التأقلم، وسط تحديات عدة من بينها غياب العدالة والصراعات القومية بين الطلبة.

نلت إجازتي والماستر ثم بدأت أبحث عن عمل أعيل به نفسي بعد أعوام الدراسة والكفاح، لقد بلغ مني التعب درجة اليأس، لكنني مع ذلك ظللت مستيقظا ورافعا قبضة العزيمة إلى السماء، أردد عبارات حب الوطن وأقول دائما :
جميل جداً أن تولدَ من أجلِ الوطن! جميلة جداً أوطانُنا ! كلمةً من ثلاثة حروف لكن الشعور أعمق بكثيرٍ.. كم أحب وطني وأعشقُ ترابهُ! ..أنا ولدتُ لأخدُم وطني وأكون رهن إشارة هذه الماسةِ التي أَعدها روحاً قبل أن تكون تراباً على سطحه تشيّدُ البناياتُ والديّارُ.. كم يسوء الحال بداخل وطنٍ مُجردٍ من صفوة البالِ، كم هو جميلٌ أن تستيقظ صباحاً وأنت في وطنكِ، تقتات من خبزه وثماره وتطفئ ظمأك الحاد من نبعه الزلالِ.. عشقُك يا وطني مورثةٌ محمولة على صبغياتٍ لا ترى في حمضيَ النوويّ، إذ لا طفرة بمقدورها طمسُ تعبيرهاَ.. ستظلّ الوطن الأسمى والأعلى، الشامخُ برايته والرنانُ بنشيده الذي يذرف الدمعَ أمطاراً لا تُرى من عيناي كلماَ تغلغلَ إلى مسامعي.. دُمتَ الجلالَ و الحبَّ..”

هذا ما كنت أقوله من قبل، قبل أن يقوم الواقع بصفعي، هذا ما كنت أقوله حين كنت مجرد طفل لا يجيد سوى ترديد المنشودات الوطنية.
اليوم صرت أبصر الحقيقة وألمح مدى سوء الوضع، بحثت جيدا عن الوظيفة، وقدمت عددا من أوراق ترشيحي وشواهدي التي كان ثمنها هو عرق جبيني والسهر ليلا من أجل العُلى، فما زادني الواقع سوى الصفع حتى تدفقت دماء الفشل أنهاراً من أنفي.

والذي زاد من حقدي على بلدي، هو كوني أحمل عددا من الشواهد ومع ذلك أطرد من ساحة العمل، ومن نفس الباب يدخل ذوو الأنساب والذخيرة النقدية.

في كل مرة أمر على رصيف مدرستي الابتدائية، ألمح حيطانها التي صارت لوحات يرسمون عليها عدة جداول، وفي كل خانة هناك رمز لحزب من الأحزاب التي سيتم انتخابها..

لا أتردد وأقف في الصف أنا أيضا، أقف والأمل في الصلاح والتقدم يتشعب كغصون الشجر في نفسي، أقف لأمنح صوتي، وأنتخب ممثلا قد وعدني بتشجير ساحات مدينتي وتوفير الملاعب لأطفالي وبناء المصانع حيث بإمكان الشباب مثلي القضاء على وحش البطالة..

لكن لا شيء من كل ذلك يتحقق، ويبقى صوتي معلقا في قلادة يرتديها “ممثلي” و يمشي بها متثاقلا فوق العشب في بيته الفخم المبني على أموال الضرائب التي أقوم بتأديتها أنا و إخواني من المواطنين.

لم أفلح في إيجاد العمل، وحين وضعت العربة الصغيرة في مركز السوق لبيع العلكة والحلوى، أتت القوات وقامت بكسر أعمدتها وطحن إطارها الزجاجي أمام ناظري، ثم عدت أدراجي إلى بيتي خاوي الوفاض وفي يدي درهم أو درهمان لا يكفيان لشراء ما أسد به رمقي ورمق إخوتي.

فيم ينفعني حب بلد لم يضع بعد في دستوره فصلا يضمن الحق لطفلتي التي اغتُصبت أمس؟ كيف تريدني أن أسعد في بلاد تأمرني اليوم صباحا بإرسال ابني الذي يبلغ من العمر خمس عشرة سنة لكي يلتحق بالخدمة العسكرية؟ عن أي وطن سيدافع هذا الطفل ؟ لماذا لا يرسل أصحاب القرارات أبناءهم هم الآخرين من أجل الوطن ؟ أليسوا من ترابه هم أيضا؟

هذه كلها أسئلة يطرحها العربي في نفسه، والجواب لا يتأخر في الظهور، أما أنت أيها الصحافي فهل لديك المزيد من الأسئلة؟
هل لا زال لديك سؤال آخر عن حب الوطن والانتماء؟ هل تعلم الآن لماذا ارتسمت الضحكة في وجهي حين وطأت قدماي رمال بلد المهجر؟

أظن أن الجواب واضح، وبإمكاني الآن الذهاب بعد جلسة الاستنطاق هذه، فأمامي أنا المُجاز في القانون وحامل دكتوراه في الكيمياء، عدد من الجوارب التي أبيعها من أجل لقمة تقيني الموت من الجوع.

بين حب الوطن وصفعات الواقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *