نحيب بلا معنى

حاجة الشعب الأولى بعد الرغيف هي التربية

هل كل هذا النحيب في هاته التغريدات والهاشتاغات والمنشورات والإعلانات.. سيغيّر من واقع الأمرِ شيئاً؟ أم أنها مسألة وقت؟ في البداية استنكار لكل حدث شنيع، ثورة ثم ينتهي الأمر بالنسيان ؟

السيناريوهات تتكرر مع اختلاف الوقائع، ثم ماذا من بعد؟ على هيئة خبر مفزع، الزمن يعيد نفسه، يستفيق “أحمد”، فيستفيق معه ضميره الذي غفا منذ زمن بعيد، يستيقظ معه الشعور بالمسؤولية، يفتح بسرعة حسابه على الفيسبوك ويعبّر بكل ما أوتي من بلاغة عن استنكاره للحدث، وعن مدى تأثره وحزنه وحُرقته على ما وقع، يلتحق بقافلة الهاشتاغ ويغير صورة البروفايل ويندُب الحظ الذي أطاح به في بلاد تنصُر الظالم ولا تُوفِي المظلوم حقه، يبدي بكل ما تمليه عليه سريرته من وراء شاشة الهاتف عن رأيه، يعلّق بلغة الجماعة ويناشد الجمعيات والنقابات والقضاة والجهات المكلفة بإنصاف ذوي الحقوق، وتنفيذ الأحكام وتطبيق أقصى العقوبات، القصاص على سبيل المثال هو ما سيشفي غليله.

يقضي يومه على هذا الحال ، يتابع الأخبار وآخر المستجدات ويتتبع القضية بدقة عجيبة، وعلى هذه الشاكلة يرتاح ضمير “أحمد”، قام بواجبه كمواطن على أدق التفصيل يمكنه الآن -إذن- وبعد انقضاء اليوم النوم بسلام. يجبر نفسه بأنه ضعيف القوى ولا يقدر على شيء، ينتفض من أدنى مسؤولية اتجاه ما يحدث ويَنسبُها إلى الآخرين.

“أحمد” ليس سوى واحدٍ منا أو معظمِنا، يفلح في إلقاء المواعظ والنصائح وإظهار مدى رجولته في الدفاع عن حق الغير، و شهامته في أداء دور البطولة ، و أمام الجمع يتظاهر بأنه على حق ورأيه صواب ، و أنه لا مجال لتصحيح معتقداته ، وأن الأمر يستدعي تدخل سريع من جهات معينة تتحمل مسؤولية كل ما يحدث.

في خضم هاته الظروف التي يمر بها العالم والناس، ومع توالي الأحداث والوقائع التي نتلقاها كل يوم لطالما كان التجرد من المسؤولية هو المنفذ الوحيد لكل متفرج، متتبع للفضائح والجرائم والمصائب..

تتحرك همته وهو يلقي على عاتق المجتمع بكامل المسؤولية أمام ما يحدث وينتفض وراء الشاشات معلنا سخطه واستنكاره دون أن يستوعب لوهلة أن كل هاته الأفكار والسلوكيات ستنتقل بطريقة أوتوماتيكية إلى أبنائه إن وُجدوا، ليتحولوا بدورهم إلى جيل آخر جديد ينضاف إلى صفوف المتفرجيين المتذمرين الشاكين الباكين على كل ما يحدث، دون أدنى فعل يثبت المغزى من كل هذا الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

صورة تعبيرية

لننطلق من جذور المشاكل وأصلها ورئيسها، سنجد أن كل جريمة وكل انحراف وقضية هي نتاج تربية فاسدة وعُقد نفسية وأفكار سوداوية لشخص ترعرع في بيئة كل ما فيها يوحي إلى خلل واضطراب نفسي فينشأ الطفل غير سوي متشبع بأفكار شاذة وميولات بائسة تدفعه للعصيان والعنف، فيتفاقم هذا الشعور، وسرعان ما تنمو ثماره الضارة ليتفجر في المجتمع على شكل جريمة اغتصاب أو قتل وهلم جرا !

و لقد كان “دانتون” صادقاً إذ قال : “حاجة الشعب الأولى بعد الرغيف هي التربية”.

فمسؤوليتك أنت كأب أو كمعلم أو كمربي هي أعظم وأخطر مسؤولية على الإطلاق تفوق حد الخيال، فالتربية التي يتلقاه الطفل في الأسرة والتنشئة التي ينشؤها في المدرسة والمجتمع هي الركيزة لبناء شخصية متوازنة، تكتسب مناعة حقيقية ضد أنماط التبعية والاستلاب والعنف، الأمر الذي كان مرشحا لانتقال مثل هذه التأثيرات السلبية إلى المجتمع وإفرازها على شكل سلوكيات متطرفة ومنحرفة قد تؤدي إلى اختلالات ولا توازنات مقوضة للسلم والطمأنينة فيه، كمظاهر لطالما كانت مألوفة في أوساط التربية التقليدية.

خلاصة، ما أريد إيصاله إليك أخي الكريم هو أنه عوض السير مع الركب والسخط على البلاد والعباد، حاول أن تشتغل على نفسك، احرص على تهذيبها وعلى تعليمها أسس التربية الحسنة، تجرد من كل عقدك النفسية، أصلح من نفسك فبصلاحك صلاح أبنائك، انطلق من كل مستويات التربية: بما في ذلك الجسمانية والعقلية والوجدانية والاجتماعية وولِّ اهتمامك للجانب السيكولوجي لأطفالك؛ حاول اكتشاف ميولهم ومواهبهم لما في ذلك من عصمتهم من الوقوع في سفاسف الأمور ومرذول الأخلاق، وركز على توجيههم التوجيه المناسب السوي، هذا المجهود العظيم منك سيؤدي في نهاية المطاف إلى إنتاج مواطن قادر على مواجهة الحياة ولعب دوره المجتمعي بمواطنة إيجابية، في حين أن تربيتك السيئة المبنية على أسس وركائز غير ثابتة وغير قارة، لن تساهم إلا في تكاثر أفراد غير قادرين على مواجهة الحياة، أفراد يلعبون دورا سلبيا داخل المجتمع تطبعه ميولات إجرامية سواء كانوا راشدين أو أحداثا.

وفي النهاية أقول عزيزي القارئ أن أفضل مكسب للرجل ولده والورقة الرابحة الوحيدة الباقية لإنقاذ هذا العالم مما يعانيه هي جيل واع، مسؤول ونافع، عنصر صالح في المجتمع يعي ما له وما عليه، متشبع بالدين والعلم، مغنم وغنيمة لما تبقى من هاته الأمة التي تفيض بالصوارف والعقبات.

وعلى سبيل الختم، أحب أن أنهي مقالي هذا بإحدى روائع ابن القيم:

فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة وأكثر، الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال يا أبت إنك عققتني صغيرا فعققتك كبيرا وأضعتني وليدا فأضعتك شيخا.

لا أتصور أي مجتمع يمكن أن ينمو ويتطور دون أن يساهم جميع أعضائه بكل فئاتهم في بنائه. فكرة التنمية في الأصل هي فكرة مجتمعية أو لنقل إنها فكرة جماعية يرتبط فيها عدد غير قليل من الناس من أجل تحقيق هدف محدد.

نحيب بلا معنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *