رفقاً بطفولتي

لا نكاد نتجاوز السنتيْن حتى نصبح مقرّاً للتوبيخ؛ مطالبٌ من الأهل بالتفوق في كل المجالات وكأننا مشروع استثماري أو أرض زراعية ينتظرون منها مختلف الثمرات مع عدم احترام الميولات، لكن من جهة أخرى ما ينتظره الطفل من أبويه (دعمه وتشجيعه لاكتشاف قدراته) غير موجود. نفسية مضطربة تنشأ منذ السنوات الأولى، فنرى تصرفات الطفل المتعجرفة والأنانية التي تبحث عن التفوق في كل شيء و لو كان لا يحبه. 
أظن أن أمرا جَللاً كهذا هو ما دفع الكثير منا اليوم إلى اختيارات تتمحور حول إيجاد دور مناسب في المجتمع و ليس الدور الذي نريده وبهذا أصبحت هُويتنا عبارة عن تكَيُّف مع المجتمع، نتج عنه تحول هويتنا إلى “غياب هويتنا الأصلية” كما قال آلان توران.(Tourain
نجد في كتاب “أرض جديدة” للكاتب إيكارت تولي مقتطفًا يوضح المشكل، “على الآباء أن يمارسوا وظيفة الأب والأم من دون أن يحوّلوها إلى دور يستخلصون فيه معنى حياتهم ويتحسسون كينونتهم فيه، مما يؤدي إلى تضخم هذه الوظيفة. ويتحول واجب إخبار الطفل بما عليه وما ليس عليه فعله إلى حاجة أبوية تتمثل في صور من السيطرة والهيمنة، وهذا يشكل ضغطاً إضافيا على الطفل”. 
سنة 1983، جاء هوارد غاردنر، ليقدم لنا “نظرية الذكاءات المتعددة” التي تدعم بشكل علمي فكرة أن لكل شخص طريق خاص ليتميّز فيه؛ تقول النظرية بوجود أنواع مختلفة من الذكاء غير تلك التي يقيسها IQ (الذكاء العقلاني) وحتى بإمكانية وجود ذكاءات أخرى على العلم اكتشافها، ومن أشهر الذكاءات التي اشتغل عليها غاردنر من خلال نظريته : 
● الذكاء اللغوي: المهارات الخاصة باستعمال اللغة والبلاغة وحُسن الإلقاء (الشعراء والروائيون). 
● الذكاء الرياضي: القدرة على الاستنباط و الاستنتاج وحل المشكلات (علماء الرياضيات والفيزيائيون ). 
● الذكاء الإيقاعي: المهارات المتعلقة بالعزف والتلحين وصنع الموسيقى (الملحّنون والموسيقيون). 
● الذكاء الفراغي: القدرة على تخيل وتقدير الأبعاد والمسافات (المهندسون والمخرجون). 
● الذكاء البدني: القدرة على التحكم في عضلات الجسم أو التعبير بها (الرياضيون، وممارسو الرقص). 
توجد أنواع أخرى من القدرات مثل الذكاء العاطفي. وفي عام 2016، أضاف غاردنر ذكاءيْن إلى النظرية؛ هما ذكاء عالم الطبيعة وذكاء التعليم. 
ختاماً، ربما لا أستطيع إحصاء وحصر كل الدراسات المتعلقة بالموضوع، لكن ما أستطيع قوله هو ربما لو توقفنا للحظات ونظرنا في الأمر من زاوية أعمق، سندرك حتما أن طريقة التغيير الأولى والأكثر فعالية هي التي تكون في بداية رحلة الإنسان، وأن السنوات الأولى من الرحلة تلعب دوراً محوريا فيما تبقى منها.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.