الرقص بين الرفض والقبول

الرقص فن قبل كل شيء، لم يُمنح للإنسان وحده، بل للطبيعة بكل عناصرها أيضا حين يُداعبها الجو. الرقص هو ترويض الجسم وتطويعه لكي يتطهر من كل الشوائب والأشياء التي تهزم النفس الإنسانية وُتُنغص حياته، في الرقص تطهير للجسم الذي لا يتحمل أي ضغوط ،خصوصا وأن الإنسان يعيش في عصر مليء بالمفارقات، إذ نجد الفرد في حالة من التوتر والضغط نظرا للظروف التي تمليها عليه الحياة اليومية، إذْ كل واحد يركض إلى وجهة ما، يركض بحثا عن قوته اليومي، فعنصر الزمن لم يعد يترك لنا المجال لتزجية الوقت، أو الذهب لأماكن الترفيه…
لكن ما دمنا نتحدث عن عامل الزمن في علاقته بعصر السرعة وبعالم المدينة، فإننا نستحضر هنا مجموعة من العناصر التي يلجأ إليها الإنسان للتخفيف من حدة التوتر، وإزالة الشوائب العالقة بالنفس التي تبحث دائما عن ما يرضيها، سواء تعلق ذلك بالأطعمة أو الأشربة أو الأزياء، فالذات لا تستحضر داخلها سوى ما تملكه، أو في ما تقوم به أو في ما تنتشي به. ذلك ما يجعل الإنسان دائما يبحث عن وسائل للترفيه، أو عن عادات يمارسها من أجل إبراز الذات وإشراكها داخل ذلك الطقس الشعبي الأنتروبولوجي، إن صح التعبير. 
ومن خلال ذكر الطقس الشعبي نستحضر هنا الرقص، هذا الأخير الذي يعتبر فنًّا منذ القدم، حيث يرتبط بالأفراح والمناسبات وكل ما له علاقة بالجانب الفرجوي المحلي، وإن كان هناك تنوعٌّ في هذا المجال إلا أنه يبقى له هدف واحد، وهو الخروج عن المألوف سواء على مستوى الجسم والحركات التي ترافق ذلك الجسم، هذا الأخير الذي يتم تطويعه والعمل على ترويضه من طرف مالکه، أي الإنسان، للتعبير عن حالات الفرح والرغبة والانتشاء، وقد يكون أيضا هناك نوع من العنف الذي يمارَس على الجسم من طرف صاحبه؛ نذكر هنا الرقصات التي تقوم بها الفِرَقُ التي تحتفل بما يسمى”عيساوة”حيث نجد هناك ممارسات عنيفة تمارس على ذلك الجسم الذي ينتشي بالرقص؛ من قبيل تلك الممارسات نجد هناك من يقوم بضرب جسمه بسكين حاد حتى تسيل خيوط من الدماء، وهناك من يقوم بشرب الماء المغلي أو أكل شفرات حادة إضافة إلى أكل الزجاج، وهذه الممارسات كلها تصاحبها موسيقى صاخبة تتكون من إيقاع على الطبل ثم صوت المزمار، وهذه الموسيقى هي التي تهيِّج نفوس الراقصين سواء الذكور أو الإناث، حيث تكون هناك حالات إغماء بين صفوف الراقصين بنوعيهما… 
أما إذا عدنا إلى الرقص الذي تعتمد عليه النساء، فإن رقصاتهن تكون عبارة عن تحريك الجسم، وذلك من أجل إثارة المبارزة بينهن أو بين من يُتابعهُن، كما يُعتبر الرقص أيضا عند النساء فرصة للترويح عن الذات، حيث أنهن عندما تسنح لهن الفرصة في حفل ما للرقص، يعتبر هذا الأخیر مقبولا ومستحسنا، نظرا لذلك الظرف أو الموقف الذي وُجِدن فيه، فالرقص في عرس ما لدى الإناث مستباح، نظرا لعنصر الاحتفال الحاضر هنا، حيث الكل يحق له أن يرقص دون امتناع (المرأة، الفتاة، الزوجة، العجوز،…)، لأنها لحظة يتم فيها منحها تأشيرة الدخول إلى مكان العرض، وإبراز كل ما لديها من مهارة في ترويض الجسم، وهنا يصبح الرقص مقبولا دون مبالاة… لكن عند انقضاء ليلة الاحتفال، يبقى الرقص عنصرا مرفوضا سواء في البيت بين النساء أو في مكان يجمع النساء وحدهن، لأنه يعتبر نشازا داخل أفراد الأسرة، وإن كان الرقص بعيدا عن منطق الدين، ممارسة لمنح الجسم حرية تامة في التعبير عنه بالحركة والتعبير عن الرغبات التي تكبحها النفس وهي موغلة في أعباء الحياة.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *