لن نعيش بهم .. لكن حتما سنحيا معهم

إن العلاقات الاجتماعية بتنوعها وتعددها اكتست في أیامنا رِداءً يصعب تقبله، ومظاهر يستحيل فك شيفرتها، لقد أصبح الأمر معقدا، حد الاستغناء. إذ أن فهم أسباب ارتفاع مؤشر الفردانية ليس بالعسير، فالمعادلة السابقة توضح ما حدث في جيلنا: علاقات اجتماعية كثيرة ومعقدة في آن واحد لا تسمن ولا تغني، فالأيسر إذن أن نستغني عنها. 
الجميع يشهد حالة تنافر اجتماعي: صداقات تموت، جيران تتقابل كل صباح دون تحية، صراعات عائلية بالجملة، بيت الجد ذاك الذي اعتاد أن يجتمع فيه الأخوال والأحفاد لم يعد يَستحمل سوى الابن الأصغر الذي مازال متشبثا بوالديه، مناسبة العيد تلك التي يتم الاستعداد لتفاصيلها والکل يأخذ نصيبه من المهام، لم تعد تحسب سوى ثلاث ساعات صباحية يتناول كل واحد منا هاتفه النقال ليبارك “للأحباب“، جنازة العم الأكبر تلك لم يحضر لها حفيد -دون أن نعاتبهم- فهم لم يحظوا بفرصة واحدة للتعرف على أبنائه أو للاطلاع على ما قام به من تضحيات اتجاه آبائهم. 
التأمل في الأمر يُبكي ويُحزن بطريقة تجعل كل ما نحن عليه لا قيمة دائمة له. أتساءل دوما ما هي الغاية من الحياة الاجتماعية لشاب وسيم كافح ليستمتع ببيت اقتناه على ذوقه المعاصر لکنه لن يقيم فيه وليمة لأسرته الصغيرة قبل الكبيرة؟ وسيارة من الطراز الرفيع لن يركبها أحد من أبناء خالاته، مع العلم أنه قضى عطله المدرسية بأكملها في منزلهم الصيفي؟ هل يُعوض زملاء العمل وأصدقاء نهاية الأسبوع الذين يتباهون هم الآخرون بسياراتهم -التي مازالت أقساطها تنتظر التسديد- مكان ذاك الصديق الوفي الذي اختار طريقا أكثر شقاء من مكانة اجتماعية مزيفة، أم أنه لم يكن يوما صديقك، أتعْلم قبل ذلك من هو الصديق أيها الشاب الوسيم؟ ذاك الذي لن تستطيع التخلي عن ذكرياتك معه؛ عدم التخلي عن الذكريات أصدق وأعمق تأثيرا من عدم التخلي عن الشخص… صديقك الذي قد تبتعد مسافات وأوقاتا عنه وتتعود على ذلك لكنك لن تبتعد عن ذكرياتك معه، صديقك الذي تمتحن صبرك معه ببُعدك عنه، وصدقك بقربك منه، صديقك الذي قد يزور وجدانك في لحظةٍ وسط مقهى يبعد عن منزله آلاف الكيلومترات ليُذكرك بالمقهى المعتاد القريب من بيتكم، صديقك الذي قد تتفحص صوركم فتترک تعليقا ”كم نحن حمقى“ ! صديقك ذاك قد يغضب منك دون أن يجرحك، صديقك الذي يفهم متى يقترب ويحترم اختيار البعد كما اعتاد أن يحترم قراراتك ويقف دائما وراءها مهما كانت غريبة بمنطلق أنه صديقي وكفى… صديقك الذي بمجرد تخيُّلِ شيء سيء له ينهار جسدك وتختل قواك. صديقك الذي يستطيع إخبارك ما لم تشأ سماعه من الآخرين دون حواجز أو رسميات، صديقك الذي يعلم كم أنت مليء بالعيوب لكنك لم تُكَلف نفسك يوما تبريرها أو تجاهلها معه، صديقك الذي يعلم كم مرة أخطأت في حقه لكنه يدرك كذلك كم مرة أقبلت عليه بأخطائك قبل صوابك ليُصلح الوضع معك، صديقك الذي يجيب دائما عن تفاهاتك قبل حِكَمك. صديقك ذاك قد قل وجوده بشكل أكثر من الملحوظ، صديقك ذاك تتذمر الناس مرارا وتكرارا لعدم وجوده أو لاعتقادهم بوجوده وخيباتهم المتكررة، صديقك الذي ما زال يحافظ على صفته، تلك الصفة تُشكل بالنسبة لكَثيرين مصدر راحة ولآخرين مرادهم الموصول، في زمن اعتلى فيه مؤشر الفردانية المراكز الأولى.
إنه الصدق الموصول، الإيثار الدائم، ذَبذبات القوة، عدوى المرح والبهجة، طاقة الإقبال والقبول، والقدرة على الاستمرارية، إنه صديقك الذي لن تمل من حبه والتعايش معه، صديقك الذي وجب احترام نعمة تواجده وشُكر الله عليها. أتساءلُ مرة أخرى أيها الشاب الوسيم، هل شعرت بكل هذا فعلا؟ هل كنت صديقا وفيا؟
علاقاتنا الاجتماعية أصبحت هزيلة مناعتُها ضعيفة، تولد، تمرض، تشيخ وتموت بسرعة، لا البُنُوَّة تدوم، ولا الأبوة تصدق، ولا الصداقة تُعمِّر، والعذر واهٍ: وقت يمضي بسرعة ومشاغل لا تنتهي، عذرا فالأمر ليس ساعاتٌ طوالٌ تقضيها رفقة عائلتك ولا زياراتٌ تقوم بها وقت عملك، بل مواقف لا تتغير مع مرور السنين، أولويات تجد لها مخرجا رغم علاقاتك الجديدة، مشاعر تعبر المسافات لتصل صادقة.
من أكثر العبارات التي استوقفتني أن الحياة بدائل، ولأن وفرة البدائل والاختيارات في زمننا المعاصر لا تعرف حدا، فقرار الاختيار يجعل من الأمر مُعقدا أكثر وَذَا مفارقة صعبة، لكن فضله بالمقابل أنه يجعل لمسار الحياة استمرارية٠ في قالبنا هذا، العلاقات الاجتماعية لا تخضع لهذا المنطق الصائب في سياقه الخاص، هناك بعض الصلات لا يصلح لها بديل أو اختيار آخر: بيت والديك لن تُعوضه ولائمُ بيت صهرك المتكررة، زوجتك لن تكون يوما أختك الصغرى التي حملتها بين ذراعيك عند ولادتها، منصبك ومكانتك الجديدة لن يعوضا ابنك الذي منحك صفة يترجاها الكثير، صديقك الذي سهرت ليالي رفقته لتتمتعا بنسيم شهرالربيع أو تُحلا مشكلة أحدكما، لن يعوضه رفيق تحدد موعدا معه عشية السبت لحضور افتتاح ملهى جديد. 
محاولات التأقلم و التعود على وضعك الجديد الذي تمني نفسك أنك مرتاح البال فيه بدعوى أنك لا تملك علاقات اجتماعية أو عائلية تزعجك وأنك أقفلت ذاك الباب، لتصُب تركيزك على مسارك المستقبلي لن يقودك سوى لقلقٍ وعدم رضا دائم، فليس للأمر علاقة باحتمال فشَلك أو تأخرك. سأمتَلِك من الشجاعة ما يكفي لأخبرك أن نفْيَك ونكران الأنا الاجتماعي هو ما قد يحبط مسعاك، فالنجاح موجود فقط لأن هناك من قرر يوما مشاركة طريقه ومصاعبه ونتائجه.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *