“الإسلام الفرنسي” و”الحرية الفرنسية”

إسلامٌ على مَقاس ماكرون!

الإسلام يعاني اليوم في كل أنحاء العالم من أزمة حقيقية“، بهذه العبارة البئيسة والدنيئة، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإسلام على أنه يعاني أزمة حقيقية في أرجاء العالم، وهو يحاول وبكل وقاحة الحديث عن دينٍ أكبر منه ومن أمثاله.

لا يمكن أن يُعتبر ذلك إلّا “صبّ الزيت على النار” بممارسته الاستفزازية على المسلمين، داخل فرنسا وخارجها، ولا يمكن أن يُفسَّر هذا “الهجوم” على الإسلام، إلا لكونه ديناً قوياً ويعتبر الدين الأكثر انتشارا في العالم وفي أوروبا تحديداً، خاصة في فرنسا التي أصبح يشكل المسلمون فيها نسبة 8٪ من ساكنة فرنسا كأكبر جالية مسلمة في أوروبا، وهذا ما يُفزع ماكرون وأمثاله، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 50٪ بحلول عام 2050.

في بلد الأنوار والعلمانية والحداثة، “مهد الحريات”، كما يحلو لبعضهم تسميتُها، من المفروض أن يحترم التعددية الثقافية والدينية، ويحمي حرية الاعتقاد، واحترام مبادئ العلمانية ألّا يتدخل في الدين ولا الحديث باسمه. وكل هذا يحدث باسم الحرية الرأي والتعبير، لكن لا أظن يا سيد ماكرون أنك تتمتع بنفس الحرية والجرأة للحديث عن الديانة اليهودية أو معاداة السامية ؟؟

فرنسا تًقدس “الحرية”، فعندما يتعلق الأمر برسوم مسيئة لـرسول الله صلى الله عليه وسلم، التي تنشرها مجلة “شارلي إييدو” الساخرة من كل الأديان والذات الإلهية، دون مراعاة لمشاعر المتديّنين، يخرج ماكرون ويعتبر نفسه أنه لا يملك السلطة على حرية الصحافة والتعبير؛ تبيَّن ذلك عندما نشر صحافي فرنسي مقال عن التطورات السياسية بلبنان والتدخل الفرنسي باسم “المبادرة الفرنسية”، وَبَّخه الرئيس على رؤوس الأشهاد، ونبّهه على أنه يهدد مصالح فرنسا، وأنه ما قام به لا يدخل ضمن “المهنية” و”الاحترافية”، التي يجب -حسب ماكرون- أن يتمتع بها الصحافي المقتدر والناجح.

بالرجوع إلى أحداث باريس عام 2015، الدامية التي أدانها الجميع، واختُتمت بمسيرة مليونية، ‘مسيرة الحرية’ التي شارك فيها قادة دول العالم نصرة للحرية، الشبيهة بمسيرة عرفت عندنا بـاسم “ولد زَرْوال 2016″؛ وَجْه الشبه أن المشاركين الذين شاركوا في كلا المسيرتيْن لا يعلمون لماذا هُمْ هناك، إذ كيف يمكن أن نفسر أنظمة قمعية لشعوبها تتواجد في الصفوف الأمامية للمسيرة “نصرة للحرية” ؟؟ وكيف يمكن أن نعتبر أن فرنسا هي “مهد الحرية” كما يحلو للبعض؟ وتاريخها في إفريقيا خيرُ شاهد.

عادة ما يمكن تصديق المبادئ والأقوال إذا كانت مقرونة بالأفعال، وإذا ادّعَت فرنسا أنها بلاد الحرية والأنوار والتحرر، والراعية والحامية لكل أشكال الحريات، حتى وإن كانت تمس معتقدات الاخرين وحياتهم، فيمكن استدلال على ذلك بتصرفاتها وحتى بتاريخها.

وبالرجوع إلى بعضٍ من التاريخ الفرنسي الدموي مع الإسلام والمسلمين، وجرائمها التاريخية السوداء، يجب على كل فرنسي حر أن يخجل منها. فلا يمكن للجزائريين أن ينسوا مليون شهيد حتى ولو أعادت لهم جماجم أجدادهم وشهدائهم دافعوا عن بلادهم بكل بسالة سعيا نحو الحرية، والتي احتفظت بها فرنسا في متاحف باريس بدون خجل ولا كلل، وكأنها تخبرهم بما فعلته بأجدادهم وكل من حاول أن يسعى إلى الحرية.

خلال الخمسين عاما السابقة حدث ما مجموعُه 67 انقلابًا في 26 دولة إفريقية. 16 منها كانت تترنح تحت الاستعمار الفرنسي، ما يعنى أن ٪61 من الانقلابات حدثت في إفريقيا الناطقة بالفرنسية، براعية مباشرة منها.

وَرد تقرير نشره موقع “نون بوست”، أن رئيس ساحل العاج “لوران غباغبو” عندما حاول إنهاء الاستغلال الفرنسي لبلاده، دبّرت فرنسا انقلابًا للإطاحة به، وتدخلت الدبابات والطائرات الفرنسية والقوات الخاصة مباشرة في الأزمة وأطلقت النار على المدنيين وقتلت الكثيرين، وعندما نجاح الانقلاب ونقلت السلطة إلى “الحسن أوتارا”، طلبت الحكومة الفرنسية من أوتارا دفع تعويضات لمجتمع رجال الأعمال الفرنسي لخسائرهم خلال الحرب الأهلية. وأشار تقرير “نون بوست”، ضمن ملف “جرائم فرنسا في إفريقيا“، إلى أبشع الجرائم التي وقعت في مجزرة “كبكب سنة 1917” التي طالت علماء المسلمين في تشاد وراح ضحيتها 400 عالم دين إسلامي هناك.

هذا القليل من الكثير وما خفي أعظم، ولا زالت فرنسا تسعى إلى استغلال الأفارقة وثروتهم، لتشكّل مصدر قوة لفرنسا خلال القرن الواحد والعشرين. كما سبق أن صرح بذلك الرئيس الفرنسي السابق “جاك شيراك” في مارس 2008 : “من دون القارة الإفريقية، ستصبح فرنسا في صف دول العالم الثالث ويجب أن نكون صرحاء، ونعترف بأن جزءًا كبيرًا من الأموال في بنوكنا آتية تحديدًا من استغلال القارة السمراء”، كما خطط له الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران عام 1957 قائلا: “دون القارة الإفريقية لن يكون هنالك تاريخ للدولة الفرنسية في القرن الواحد والعشرين”.
فمنذ 1960، فرنسا تحتفظ بالاحتياطات الوطنية من ثروات الدول الإفريقية التالية: بنين، بوركينا فاسو، غينيا بيساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توجو، الكاميرون، جمهورية إفريقيا الوسطى، تشاد، الكونغو وغينيا الاستوائية والجابون…

ولاستمرار الهيمنة الثقافية الفرانكفونية، والتبعية والاستعمار الثقافي والفكري -الذي هو أخطر من أي استعمار-وفي إطار التعددية الثقافية والانفتاح، كما تمسيه فرنسا، والذي لا تقبل به داخلها وتحاربه في بلادها، بداعي حماية القيم الجمهورية العلمانية، فقد تم إنشاء منظمة اللغة ونشر الثقافة الفرنسية تحت اسم «الفرانكفونية» مع العديد من القنوات التليفزيونية والمنظمات التابعة لها، والتي يشرف عليها وزير الشؤون الخارجية الفرنسية، مع فرض نظام تعليمي فرنسي موحّد.
ثمَّ لم يكن لفرنسا أن تتحرر من وطأة الاحتلال الألماني لولا الشهداء الأفارقة والمسلمين، إذ شارك أكثر من مليون جندي إفريقي في الحرب ضد النازية والفاشية خلال الحرب العالمية الثانية، ولتعلم ذلك السيد ماكرون وإلا لكنت تخاطب اليوم المسلمين باللغة الألمانية.

عمموماً؛ تبقى السياسة الفرنسية تجاه المسلمين، هو استغلالهم واستغلال مواهبهم في الكرة والرياضة، والفن والأبحاث العلمية، والاستثمار…، وإلا لأصبحت متهما بـ”الإرهاب”، و”الانفصال الإسلامي وتهديد المبادئ العلمانية”. من أجل ترويض هؤلاء، تسعى فرنسا إلى إحداث استراتيجية جديدة أعلن عنها ماكرون في رسم معالم جديدة للإسلام يصطلح عليه بـ”الإسلام الفرنسي”، لمواجهة “الانفصال الإسلامي”، والحفاظ على المبادئ الجمهورية العلمانية الفرنسية. ودين لن يكون غار حراء مَهبِطَه بل “برج إيفل” الباريسي.

محمد آيت تمريرت

تقوم الاستراتيجية الجديدة التي أعلن عنها ماكرون، ضد ما أسموه “الانفصال عن القيم الجمهورية الفرنسية” على أربعة محاور أساسية، يلزم العمل عليها، بشكل متوازٍ، قصد إنتاج “إسلام فرنسي” يتوافق مع مبادئ الجمهورية الخامسة. أولها؛ إحكام السيطرة على المساجد والمدارس وأماكن العبادة. ثانيا؛ فرض السيادة الفرنسية على المرشدين ورجال الدين المسلمين، من خلال الإشراف المباشر على تكوين هؤلاء في فرنسا، حتى يتعلموا اللغة والقانون الفرنسيين، ثالثا؛ إلغاء نظام الإذن للحكومات الأجنبية لتدريس مواطنيها لغات بلدانهم الأصلية؛ وخصوصا العربية شمال إفريقيا والتركية. ورابعاً؛ تشديد الرقابة على التمويلات الأجنبية للمساجد في فرنسا، بإخضاع كل مداخيلها لرقابة “الجمعية الإسلامية للإسلام في فرنسا” (Association musulmane pour l’islam de France)، المعروفة اختصارا باسم (AMIF) التي أسِّست سنة 2019 لتلك الغاية. وغاية الحكومة الفرنسية، كما يقول ماكرون، من هذه الخطة هي حماية حوالي ستة ملايين مسلم.

وتسعى هذه الاستراتيجية إلى إعادة هيكلة الحقل الديني الإسلامي في البلاد، وكذا تقليص التأثير الأجنبي على مسلمي فرنسا، باستبعاد الأئمة والمكونِّين والقيّمين الدينيين الأجانب من العمل فوق التراب الفرنسي، وذلك بغية التصدّي لـ”الانفصال الإسلامي” الذي يتعارض مع الحرية والمساواة وقيم الجمهورية ووحدة الأمة، حسب تصور الحكومة الفرنسية. وقد نحتت هذا المفهوم الغريب للدلالة على الانعزالية والتشدّد والتطرف في فرنسا، فالمصطلح، في حد ذاته، ليس وليد اليوم، بل يعود إلى عام 1990 مع وزير الداخلية بيير جوكس الذي شكل حينها “مجلسا تفكيريا حول إسلام فرنسي” (CRIF).

بالمقابل؛ يعتبر بعض المراقبين أن ماكرون يسعى من خلال هذا الخطاب الشعبوي المعادي للأجانب، إلى استعادة شعبيته التي بلغ انخفاضها مستويات قياسية. ويقول جواد بشاري، مدير جمعية “مكافحة الإسلاموفوبيا” في فرنسا، “نحن نقترب من نهاية ولاية ماكرون الأولى. ومع كل انتخابات تعود نفس الأسئلة للطرح داخل المجتمع وهي عن المسلمين، وتمويل دور العبادة“.

“الإسلام الفرنسي” و”الحرية الفرنسية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *