الرجل الذي يفكر ساعة في الدقيقة

وفي كل ليلة كان يقصد أطول طريق نحو منزله، رغم الطقس البارد الذي يجعل المدينة خالية من المارة، لطالما أحبَّ الشوارع الخالية، الباردة والمظلمة؛ قد يرجع هذا إلى تشابههما، أو لأن داخله كان يحتوي نارا تكفي لتجعل من هذه الشوارع دافئة بما فيه الكفاية، لتشبه ليلةً صيفيةً تبعث في جسده القدرة الكافية على مقاومة البرد. كانت له قدرة غريبة على مخاطبة كل شيء جامد حوله، الكراسي الفارغة، عواميدُ النور الحزينة، حتى أنه في يوم بكى حزنه واشتكى لشجرة فشعر برغبة لمعانقتها، قد يبدو أحمقا ولكنه لم يكن يحس بأي فرق بين الجماد والإنسان. كان يفكر طوال الطريق في كل شيء وأحيانا في لاشيء، كان يملك التناقض الكافي ليشعر بأنه حزين حد الكآبة وفي رمشة عين يضحك كأنه أسعد شخص في العالم، يرغب في التدخين بشراهة ولكنه يمقت إدمانه، يشعر بأنه محب للحياة رغم حقده عليها وعلى ظلمها، شديد اللطف والخجل ولكنه وقح متمرد لا يهاب أحدا، يلاعب القطط بحب ومع ذلك يجدها أنانية لا تفكر إلا في مصلحتها… تَعاطُفه ممزوج بالشماتة وضحكته يغمرها الكره، كان مزيجا غريبا من المشاعر المتضاربة…داخله ساحةُ معركةٍ مع ما يجب أن يكون عليه وما هو عليه في الحقيقة… لطالما أحس أنه عالق داخل مسلسل درامي، عالق في هذه الأحداث، بطل لا يرغب في البطولة… الأبطال يحظَوْن دائما بنهاية درامية، كان يحسد كل الشخصيات الثانوية، تلك التي تمر مرور الكرام، حتى تمنى أن يكون “كومبارس” وأن يعيش حياة عادية في مجتمعه العادي، التافه، ولكن تكوينه، جيناته، حتى تجاربه كانت تجبره على أن يكون مختلفا عن الكل ولا يشبه أحدا. 
سحب سيجارته من العلبة وبدأ في التدخين، لم يتعامل مع السجائر على أنها مجرد لفافة من النيكوتين، كان يعتبرها أحلامه فيبتلعُها جوفه لتخرج كدخان يتبخر بعدها، فينفثه مجددا ! هو مدركٌ أن احتواء الأحلام لا يكفي لتحقيقها، يرمي عقب السيجارة بسخط … يتأملها وهي مشتعلة يرثيها قليلا ثم يكمل طريقه، يتسلل البرد إلى كل جزء في جسمه مسببا رعشة ولكن الأمر لا يزعجه فهذا سبيله الوحيد ليدرك أن روحه المشرّدة تملك مأوى. ينظر إلى ساعته، مرت بضع دقائق فقط منذ أن بدأ المشي، يبتسم بسخرية ويردد” أفكر ساعة في الدقيقة أم ماذا؟” 
يدخل منزله، يصعد السلالم في الظلام، يشعره هذا بنشوة، ما حاجته للنور فأيامه مظلمة.. وككل ليلة يشاهد بعض الأفلام ليوقف ضجيج عقله ويندمج مع أحداث القصة ولكن بدون جدوى، فحتى الأفلام يراها من زاويته الخاصة، يتعاطف مع الأشرار ويحتقر من ينتحلون دور الملاك. كان يعتبر أن اللطفاء أكثر خبثا، يستغلون براءتهم للوصول لغاياتهم، يغلق شاشة الحاسوب دون أي رغبة في مشاهدة النهاية فالنهايات لا تغريه، فجأة يتوقف عقله، يبدو أنه نام قبل باقي أطرافه، دائما يدخل عقله في غيبوبة مبكرة ويستيقظ أيضا قبل جسمه كأنهما منفصلان، هو لا ينام كثيرا فساعاتٌ قليلةٌ تكفيه، يلبس معطفه الأسود كل صباح حدادا على كل الأشياء الميتة، حدادا على كل الأشياء التي لم تولد، فأعظم ذنب هو عدم إعطاء فرصة للأشياء و البقاء قيد الحيرة والاحتمالات اللامتناهية، كان يسيقظ قبل الكل، يغادر المنزل دون أي وجهة محددة، أحيانا كان يعطي الحجج لنفسه بأنه يأخد عقله المتعب في نزهة، يبتسم شفقة على نفسه ويمضي، في الحقيقة هو كان يتجنب نظرات كل الأقرباء منه، يتجنب عيونهم التي كانت تلمع بشفقة كل صباح، وكأنه الفاشل الوحيد على هذا الكوكب…
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *