الكولونيالية المعاصرة في رواية “حين يزهر اللوز”|الجزء 1

رواية للدكتور محمد أبو العلا

ألا يشبه هذا التاريخ، بالأحرى، مقبرة الفرص الضائعة والنداءات غير المسموعة ؟ -1-


إن الرواية، واقع نصي، وهذا الواقع يحيا حياة كاملة، إنها محاولة لخلق عالم يحاكي المتخيل لدى “الإله الخفي” بتعبير لوسيان غولدمان، بل، إن الكتابة السردية عندي، الروائية تحديدا، كتابة إمبريالية، تسعى لاحتلال كل الأجناس الأدبية الأخرى، شعرا ونثرا ومسرحا وموسيقى ومشاهد كرنفالية… فتصبح ضمن واقعها النصي-الورقي الذي يجيش بالعواطف والرغبات، بل هو واقع يطرح إشكالات أنطلوجية كبرى من قبيل الانكسار والانتصار، التناقضات الوجدانية الرهيبة، الكراهية والغيرة، الحب والموت، الإنسان والتاريخ، الشعب والدولة… ولا تخرج “حين يزهر اللوز” عن مجموع هذه القضايا.

إن رواية “حين يزهر اللوز” للدكتور محمد أبو العلا، الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الفاصلة للنشر سنة 2020، تمتح في طابعها العام من تخييل تاريخي روائي، والتاريخ الروائي ليس الهدف منه عرض الأحداث، بل محاكاة ما ينبغي أن يكون، هو في هذه الرواية لا يعتنق مفهوم المرآوية، غير أنه يفتح تساؤلات تنويرية ضخمة يفرضها الانحطاط المعاصر، ما علاقة الشعب بالسلطة؟ هل هي دولة الشعب أم شعب الدولة؟ ثم متى ينتهي الفضاء الشخصي ومتى يبدأ الفضاء العام؟ كيف تحول الرأسمال إلى إقطاع يستغل عمال المنجم؟ ما وضع المرأة والجبل؟ كل هذه تساؤلات خاض فيها الكاتب محاولا لمس اللباب ومنحها ماهية، هي إذن، عملية تفكيك وإعادة بناء لقضايا ومفاهيم نحيا بها، عملية تسعى إلى تعرية السواري الواهية التي تبنى عليها السقوف الملطخة بالنار، سقف العالية والجبل والجبلي وإدريس الفاكتور وعمال المنجم..

• “حين يزهر اللوز” ماذا سيحدث ؟

لابد، أن يكون الحديث عن الربيع في روايتنا هذه، حديثا يبعد عن البراءة، فلا شيء بريء في الخطاب، الربيع الذي لم يزهر إلى اليوم في بلاد المنجم، حين يزهر اللوز، تأتي القطعان لكي تلتهم زهرتها البيضاء الجميلة، وتنخر ما تبقى من غصنها السامق، ليغدو عاريا في سماء الرب قابلا للحطب والاحتراق، يصور د. محمد أبو العلا الربيع ربيع السلطة العنيف، عندما تحول الأنا الاستعمارية الآخر المستعمر إلى ذات تعتنق الكولونيالية على ذاتها، في ثوب التبعية المطلقة، إذ بلاد المنجم المنخارة التي استقاها الروائي من محيطه، هي صورة مصغرة لمنجم كبير “المغرب” يتشارك فيه الجماعي، إلا السلطة، باعتبارها ذاتا استعمارية جديدة.


“لم يحل الربيع بعد، بل حل المخزن بإنزال تشي بطلائعه الألوان الزاهية لأجهزة إنذار سيارات دجيب أحالت أضواؤها المنبسط الثلجي أقواس قزح، إيذانا بفصل قطاف رؤوس قد يكون جبيلو أولها” -2-


إن الكولونيالية المعاصرة أشد وقعا على سكان المنجم، إنه السير في تخريب ركيزة أساسية للهوية، المكان، وبالتالي هي بداية تأسيس مجتمعات الخضوع في علاقة جديدة مع الذات/المجتمع والآخر/السلطة، إنها حقا، حالة الشعور بالنفي، وقد عاشها إدريس بمرارة على طول 222 صفحة من المحكي.

لعل السلطة الاستعمارية مارست النفي السياسي، أما سلطة الدولة لم تلجأ إلى النفي في قطع المعارضين، لكنها بنت نظامها على الجماعات الموالية فقط، ليبقى طريق المنفى مفتوحا تلقائيا أمام المعارض في كل الشيء، بما فيه النظام، غير أن محمد أبو العلا يرفض أن يكون سكان الجبل -بلاد المنجم براعما في شجرة الولاء، لا رأي لهم، فلم تسمح القوة السلطوية حتى ببسط الرأي حول، أين اختفى رحال ؟ -3- لكن الهامش لا يموت، بل يقاوم على نفس المبدأ الذي قاوم به النصارى، ليصبح أمام هذا التناقض الوجداني المخيف، يصل إلى درجة المقارنة بين الكولونياليتين، الكلاسيكية والمعاصرة.

لا رأي لسكان المنجم الكبير والصغير، يكاد قارئ هذه الرواية، يشعر أنه واحد من هذه الجماعة، ضمن هؤلاء الذين يعيشون منفاهم المجازي، الداخلي في ذاوتهم المكلومة وأنفاسهم الجذلى، إن غياب النفي، سياسيا، بحكم تصدره الدولة يشير إلى أن فكرة الحرية ليست قائمة عضويا، في الحياة العربية، ذلك أن فكرة الفرد المستقل برأيه وسيد إرادته تقابل بالرفض -4- ولعل هذا ما حصل لجبيلو وسيدة الأعالي، غير أن الهامش تبقى له الحياة سرمدية، كما أرادها الكاتب.


مراجع:

1) فن الرواية – ميلان كونديرا، ترجمة خالد بلقاسم، المركز الثقافي العربي،ط 1 عام 2017 ص 23
2) حين يزهر اللوز– محمد أبو العلا، الفاصلة للنشر، ط 1 عام 2020 ص 74 (راجع الفصل ‘ربيع السلطة ‘ كاملا من ص 72- 89)
3) حين يزهر اللوز– محمد أبو العلا ، ص 138
4) الكتابة والمنفى – تحرير عبد الله إبراهيم، منشورات الاختلاف، ط 1 عام 2011 ص 84

الكولونيالية المعاصرة في رواية حين يزهر اللوز “الجزء الأول”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *