شغف القراءة

“اقرأ“ كانت أول ما أوحي به إلى نبينا صلى الله عليه وسلم اعتبارا أن العلم والتعلم من أهم الركائز لبناء حضارة متناسقة ومتكاملة. وبداية الرسالة الإسلامية بالدعوة إلى طلب العلم إن كان يدل على شيء، فإنما يدل على رغبتها في صنع إنسان واع ومثقف قادر على الإبداع والتحليل والبناء و مؤهل لعمارة الأرض . 
“من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة “. هكذا حثنا نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم على طلب العلم مهما بلغ بنا العمر أو مهما كنا صغارا..ومن بين أهم مظاهر أو طرق طلب العلم نجد القراءة أو مطالعة الكتب، ففضلا على أنها تنمي رصيدنا المعرفي والثقافي واللغوي والفكري، إلا أنها تجعلنا نشعر بنشوة و شغف كتلك التي تعترينا عند زيارتنا لبقاع أو بلدان لأول مرة إ،نها سفر عبر الزمان و المكان. 
قد تعود بك ألاف السنين إلى إمبراطوريات وأمم وشعوب قد خلت من قبل من خلال نصوص تاريخية، فتحملك مثلا إلى عهد الفينيقين أي إلى ما يقارب 1500 سنة ق.م ،أو القرطاجيين حوالي814سنة ق.م، أو إلى الأدارسة لتكتشف حضارة المغرب حينها، وكأنك ترى عراقة مدينتي “فاس “و “وليلي” لأول مرة، تاريخهما وأمجادهما. أو تمضي بك إلى الإمبراطورية العثمانية لتحدثك عن واحدة من أعظم الحضارات التي مرت عبر التاريخ، والتي تميزت بضمها لثلاث قارات -جنوب شرق أوروبا وغربي أسيا وشمال إفريقيا – مرة واحدة. أو قد تحط بك الرحال في اشبيلية وغرناطة فتعيدك إلى أمجاد الأندلس الغابرة، أو تعود بك إلى القسطنطينية فتخبرك عن عراقتها كعاصمة للإمبراطورية الرومانية ثم عاصمة للدولة البيزنطية، قبل أن تفتح من قبل محمد الفاتح لتصبح من بين إحدى عواصم السلطنة العثمانية، أو قد تسافر بك إلى مدينة طروادة لتخبرك أن خدعة بسيطة استطاعت الإطاحة بحضارة ومدينة قاومت الحصار لمدة عشر سنوات. فتشعر وكأنك تعيش في كنف تلك الأحداث تعيش معهم صراعاتهم، خيبتهم، أفراحهم، أمجادهم، آلامهم، مخططاتهم، آمالهم، سقوطهم واندثارهم، فتجعلك قريبا جدا مما أصبح غابرا الآن .. 
بل تستطيع أن تعبر بك القارات و تذهب بك إلى بلدان تبعد عنك بآلاف الكيلومترات كسائح -يتجول بين طيات الأوراق- يجول شوارعها ويكتشف أحيائها، شعوبها، عبق تراثها، ثقافاتها، خبايا تقاليدها، وعاداتها، ليس هذا فقط فالمطالعة تمكنك أيضا من الغوص في أغوار ذاتك واكتشاف دواخل نفسك؛ فقد تصادف كتبا تجعلك تقف لوهلة متسائلا كأنني أنا من يتحدث عنه الكاتب، كتب تحاكي أعماقك، فتمكنك من التعرف على مكنوناتك التي بقيت مرسخة في لاوعيك لتخرجها إلى واقعك، فتجعلك متقبلا لنواقصك ومكتشفا لمزاياك، كما أنها تساعدك على نفث الغبار عن كل ما كان مترسبا أو عالقا بذهنك من معتقدات وأفكار زائفة. وكما قال فريد الأنصاري “أنت إذن تقرا فترحل متجردا من أثقال الطين إلى ذوق لذة التعبد في حضرة المعبود ،فتحس بأن الحال غير الحال وأن وهج النور أقوى من أن يبصره بصر فتمد قدح القلب لتنال من رحمة الله “. فبالإضافة إلى أنها تجعلك تتعرف على معالم شخصيتك وطبيعتك وتركيبتك النفسية، تجعلك حتما تفهم تركيبتك البيولوجية وكيف يعمل كل جهاز داخل جسمك بنسق لا متناهي وبدقة فائقة، كأن كل عضو من أعضائك وكل خلية من خلاياك تعلم مسبقا عملها ووظيفتها بطريقة إعجازية. بل تجعلك تفهم عوالم أخرى أو بالأحرى تستكشفها، كعلم الفضاء والفلك وعلم الفيزياء والفلسفة والطب والكيمياء … 
علاوة عن هذا كله ليس هناك غير القراءة بإمكانه أن يتيح لك فرصة التعرف على كم هائل من الشخصيات، من الإيديولوجيات، ومن الأفكار المتضاربة تجعلك تشعر بعظمة هذا العالم وعظمة خالقه الذي خلق فأبدع وجعل لكل شئ في هذا الكون ما يميزه .. 
وبهذا قد تجعل منك المطالعة شخصا واعيا، مكتسبا لمهارتي التحليل والنقد، وقادرا على التميز ومتطلعا للمستقبل بأعين الماضي والحاضر . 
فالقراءة هي حرية فكر وروح تجعلك تسافر خارج نطاق ذاتك دون حدود أو قوانين تنغص عليك تجوالك..