المؤسسة التشريعية ونجاعة النخبة

الدستور المغربي والسلطة التشريعية

يعد البرلمان “الهيئة التي تمارس السلطة التشريعية والتي تشكل قلب الدولة ” كما عرفه جان جاك روسو في العقد الاجتماعي، فالبرلمان له صور عدة تختلف من بلد لآخر حسب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية .شكل دستور 2011 نقلة نوعية وتغييرا جوهريا في اتجاه تقوية مكانة البرلماني النظام السياسي المغربي.

إن تغيير اصطلاح “البرلمان” باصطلاح “السلطة التشريعية” في الدستور الحالي يدل على أن المشرع الدستوري انتقل من اعتبار البرلمان مجرد مؤسسة تمارس التشريع بالتصويت على القوانين كما في الدساتير الخمسة السابقة، التي كانت تنص على أن القانون يصدر عن البرلمان بالتصويت، إلى اعتبار البرلمان المؤسسة التي تجسد السلطة التشريعية، كما أضحى في الدستور الحالي الذي ينص في الفقرة الأولى من الفصل 70 منه على: “يمارس البرلمان السلطة التشريعية، وبموجب هذه الصياغة، أصبحت ممارسة السلطة التشريعية اختصاصا شبه حصري على البرلمان1.

إن قراءة متمعنة لدستور 2011، من شأنها أن تبرز بوضوح الحضور المؤثر والفاعل للمؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، بخصوص الجانب التشريعي من خلال مجموعة من النقط:
الملك يفتتح البرلمان كل سنة ويخاطب الأمة عبره، ولا تتلو خطابه أي مناقشة (الفصل 52).
 للملك أن يطلب ولا يمكن رفض هذا الطلب لقراءة جديدة لكل مقترح أو مشروع قانون معروض على البرلمان (الفصل 95).
 للملك الحق في تعيين لجان تقصي الحقائق (الفصل 67).
 للملك أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما (الفصل 51).

إن ما يمكن استنتاجه بخصوص سلطة الحل التي يخولها الدستور المغربي للملك، هو أن المشرع الدستوري مستمر في النظر إلى الملك باعتباره سلطة فوق السلط، ولا ينطبق عليه فصل السلط، وإن كان في نفس الوقت يمنح الملك مجموعة من الصلاحيات التنفيذية الواردة التي إن ربطناها بمبدأ “المسؤولية والمحاسبة” الوارد في الدستور، لأصبح من الواجب مقابلة الصلاحيات التنفيذية للملكية، ومنها مسألة حل البرلمان، بنتائج ينبغي أن ترتب هذا الاختصاص2.

بالرغم من الجهود المبذولة للارتقاء بالأداء البرلماني، في المجال الديبلوماسي، فإن الديبلوماسية البرلمانية لا زالت ظرفية وتفتقد إلى النجاعة المطلوبة من حيث تأثيراتها في القرار الخارجي وفعاليته نتيجة مجموعة من العوامل التي تضعف آمالها من بين هذه العوائق :
يشارك مجلس النواب في 102 مجموعة صداقة، منها 38 دولة أوربية، لكن الملاحظ أنه بالرغم من هذه الأنشطة، فمردودية الديبلوماسية البرلمانية ما زالت ضعيفة، لاسيما وما أصدره البرلمان الأوربي السنة الماضية من توصيات والإعلان على مواقف معادية للوحدة الترابية، وذلك على الرغم من العلاقات التي تربطه بالبرلمان المغربي.
 عوائق ذاتية ترتبط بمؤهلات البرلمانيين لممارسة النشاط الديبلوماسي.
 غياب أجندة محكمة للعمل الديبلوماسي بتنسيق مع وزارة الخارجية لكونها على اطلاع دائم ومستمر بتقلبات ومواقف الدول3.

يؤكد عبد الله العروي في كتابه “ديوان السياسة” على تصوره للبرلمان، فرقي مجلس النواب إلى المستوى المنشود يخفي معه بالضرورة أسباب الريبة التي تحوم حوله في الدستور، فالبرلمان المؤهل يعرف بالضبط حدود اختصاصاته، يعلم ما يستدعي التدخل وما لا يتحمله، يستبعد دون تردد ما لا يمس بكيفية واضحة مصالح الناس، إذ وظيفته الجوهرية هي تنظيم المعاملات بما هي مصالح مادية. فكلما تحسنت مؤهلات الناخب والنائب، عرف البرلمان حده.

يلاحظ العروي أن تطور الأحزاب السياسية يجعلها تتضح لأعضائها أنها لا تزال مسلوبة الإرادة، مسيرة دون وعيها،خاضعة لمنطق المبايعة، رديفة لنفوذ البطانة، ما لم تتعالى على مستوى الزاوية أو العشيرة أو النادي أو النقابة5. وفي نفس السياق، فقد وسع المشرع الدستوري6 من عمومية وضبابية دور الأحزاب السياسية، إذ أن هذه الأدوار بعيدة جدا عن الواقع والأزمات التي تعيشها الأحزاب السياسية في المغرب، فهي تفتقر إلى التدبير الديمقراطي لقضاياه ومشاكله الداخلية7.

وضعف الأداء على مستوى الوظائف الاجتماعية والسياسية والتربوية، الحضور الضعيف للأحزاب في عمق المجتمع واقتصاره في غالب الأحيان على المناسبات الانتخابية. سيادة معيار الولاء والقرابة لتسلق المهام القيادية.
وهو ما يفضي إلى وجود نخبة ضعيفة غير قادرة على ممارسة الحكم؛ حيث يرى صاحب (ديوان السياسة) “الملك ببطانة لأن النخبة ضعيفة، والنخبة الضعيفة، في البرلمان وفي غيره من المؤسسات، لأن الجمهور لا يزال “أميا”. إذا تغيرت هذه الأوضاع أي تحققت شروط الديمقراطية، عادة النخبة نخبة حقا، قادرة على الحكم فعلا بتكليف من النواب وتحت نظرهم“8.

إن الملاحظ على أن الأدوار الفعلية للبرلمان في مكافحة الفساد وحراسة حقوق الإنسان والتصدي لمختلف مظاهر الإضرار المعتمد بالتدبير الشفاف والعادل للسلطة والثروة التي يشكل الريع أحد مظاهرها، مما يستدعي تسليط الضوء على هذا الجانب لمجموعة من الاعتبارات الأساسية، مع ما تعنيه من زعزعة الاستقرار الاجتماعي والتأجيل المزمن للإصلاح وعرقلة بناء دولة القانون والمؤسسات؛ نذكر منها كما يلي:
 إضعاف العملية التشريعية، عبر تأخير إصدار المراسيم التطبيقية أو عدم نشر النصوص في الجريدة الرسمية، وهو ما جعل القوانين، ذات الصلة بتنظيم استغلال العديد من الثروات الوطنية عديمة المفعول، مفسحة بذلك المجال للامتيازات، غير المشروعة والاستغلال غير القانوني لهذه الثروات.
 اعتماد قوانين هشة المحتوى وغير محيطة بشكل فعال بالقضايا التي جاءت لتنظيمها، وفرض رقابة المجتمع ومؤسسات الدولة عليها، أو استمرار العمل بالعديد من القوانين الصادرة في الحقبة الاستعمارية لعقود متتالية؛ رغم وضوح ارتباطها بمنطق التحكم والاستنزاف الإرادي لثروات البلاد؛ كل ذلك شكل مداخل سهلة للريع والإثراء الغير المشروع.
 ولأن الهيمنة الثقافية لا تسير لوحدها، بل تكون قاطرة قوية لريع اقتصادي متناسب مع قوتها ونفوذها، فإن سوق المطابع الأجنبية يجني من نشر كتب المناهج الدراسية الأجنبية رقم معاملات يتجاوز 12 مليار درهم، كما أن مدراس البعثات الأجنبية تحول من العملة الصعبة ما قدره حوالي 30 مليون أورو سنويا نحو الخارج.

وباستعراض كرونولوجي لمعاناة المبادرة البرلمانية، الذي تحتفظ به هذه الخمسينية. ضمن حصيلتها السلبية في هذا المجال، يتضح بجلاء العلاقة بين حماية الريع الثقافي اللغوي؛
يمكن الاستنتاج من كل هذه النقط أن أصول الريع توجد في التشريع، ذلك إن مكافحة الفساد يمر وجوبا عبر تعزيز حكم القانون. والقدرة على تحقيق الارتقاء القانوني للسلوك المالي للدولة ومؤسساتها من جهة. من جهة أخرى، يظهر نوع من العجز في إحلال قواعد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المال العام أو الخاص.

إن عدم قيام “نواب الشعب” بمهمتهم، يخرق الدستور ويُفقِد وباقي التشريعات مبدأ الدستورية، يمكن الطعن في شرعيتها لأنها صادرة عن مجلس يجتمع بطريقة تخالف الدستور فمجلس النواب أصبح التصويت فيه ببضعة نواب؛ يصوّت كل واحد أصالة عن نفسه ونيابة عن زملائه؛ مما يشكل مخالفة صريحة لمضامين ومقتضيات دستور2011.
ولو كان هذا البرلمان يتقن عمله لكان للمغرب اليوم قانون الدفع بعدم الدستورية الذي بموجبه يمكن الطعن في القوانين التي ستصدر عنه، ولكان للمجتمع قانون جنائي يواكب الطوارئ ويتضمن العقوبات البديلة عن العقوبات الحبسية، رغم أن المشروع جاثم في دهاليزه منذ خمس سنوات لكن لم يتم تشريعه بسبب الخلاف حول بند”الإثراء من دون سبب”، كما أن هذه الأمور ستزيد من فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، ويعمّق مأزوميتها، ويُبعد المواطنين أكثر عن صناديق الانتخاب.

• يمكن الوقوف على مجموعة من الخلاصات في هذا الباب؛ هي كالآتي:
 إن الدستور المغربي لسنة 2011 قد خطا خطوة إيجابية لدعم العمل التشريعي للبرلمان على مستوى توسيع مجاله مقارنة بالدستور السابق، والارتقاء بالبرلمان إلى درجة المشرع الدستوري.
 السلطة التأسيسية الفرعية تدبير مشترك بين الملك والبرلمان، فالملك يمكنه أن يعدل الدستور بدون الرجوع إلى الشعب عبر استفتاءـ، لم يقابله نفس منح نفس الحق بالنسبة للبرلمان. فضلا على أن الدستور يكفل للملك أن يستفتي الشعب مباشرة حول مراجعة بعض بنود الدستور دون موافقة البرلمان على ذلك.
 تعددت العوامل الداخلية المؤدية إلى ضعف المؤسسة التشريعية؛ من بينها، ظاهرة الغياب البرلماني، لما هذه الأخيرة من سلبيات على المؤسسة التشريعية والعمل البرلماني بصفة عامة، بالإضافة إلى ضعف المعارضة البرلمانية، وهشاشة القوة الاقتراحية للبرلمانين.
 هيمنة الطابع الظرفي على النشاط الديبلوماسي البرلماني، في غياب تنشيط مجموعات الصداقة البرلمانية بما يكفل تكثيف اللقاءات والحوار، ومن تم تعزيز العلاقات وتوثيقها. بالرغم من تعدد الأنشطة الديبلوماسية البرلمانية، فهي تفتقر إلى استراتيجية واضحة تتكامل أهدافها السياسية والديبلوماسية.


لائحة الهوامش والمراجع:
1- رشيد المدور، البرلمان في ضوء مستجدات الدستور، دفاتر في القانون البرلماني المغربي، الطبعة الأولى، شمس برينت الرباط، 2019، الصفحة 17.
2- عبد الرحيم العلام، الملكية وما يحيط بها في الدستور المغربي المعدل، الصفحة 41.
3- أمين ركلمة، الديبلوماسية البرلمانية في المغرب بين رهان التحديث وعوائق التفعيل، البرلمان المغربي ورهانات دستور جديد، مسالك، العدد مزدوج 25-26/2014، الصفحات 128-129.
4- عبد الله العروي، ديوان السياسة، الصفحة 139.
5- عبد الله العروي، ديوان السياسة، الصفحة 149.
6- الفصل 7 من دستور 2011 حيث ينص “تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية.”
7- نور الساداة حميوي، المؤسسة التشريعية بين تأثير الفعل الخارجي وتداعيات الممارسة الداخلية، البرلمان المغربي ورهانات دستور جديد، مسالك، العدد مزدوج 25-26/2014، الصفحة 27.
8- عبد الله العروي، ديوان السياسة، الصفحة 146.
9- عبد الرحيم العلام،مدى شرعية قوانين صادرة عن برلمان ينعقد بطريقة لا دستورية؟، تاريخ الاطلاع 25/05/2020. https://www.hespress.com/writers/471539.html?fbclid=IwAR0vq8PR9iEPLab54Fkoxgi_wNuoA5ouwIDlnpSUTCy1M8B-1v–xHwzduU

المؤسسة التشريعية ونجاعة النخبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *