التفاهة.. “مرض العصر”

أصبح محتوى الويب المغربي مؤخرا يشهد نماذج وظواهر جديدة وحديثة تُسهم في صناعة التفاهة، ويمكن اعتبار هذه الأخيرة “مرضَ العصر”؛ إنه وباءٌ انتشر في قائمة “اليوتيوب”، وزلزالٌ انتهك سلم المحتوى. 
تم تسليط الضوء على أشخاص عاديين، نذكر من بينهم “سينا، ساري كول” .. ولعل آخِرهُم (وبالتأكيد لن يكون التافه الأخير) كان مصطفى الصديق صاحب عبارة “إكشوان إنوان”. حيث بمجرد نطقه للكلمتيْن، أصبح ملفتا للأنظار، من خلال روبورتاجات حصدت أعلى المتابعات، وقامت بها إحدى القنوات الالكترونية. 
بعدها، تمت المواكبة بشكل سريع من طرف المتلقي، وأيضا من طرف القنوات الإعلامية الأخرى،؛ جعلوا من الشخص نفسه موضوع الساعة بينما اعتبره بعضهم “بطلاً”، رغم أنه لم يقدم شيئا ذا بال. ليس بمثقف ولا بمؤثر اجتماعي، ليس بمخترع ولا بصاحب فكرة مبدعة، إنه سوى شخص عادي جعله الإعلام “نجمًا ساطعا”. بعد كلامه الذي غَزا وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشعب المغربي متعاطفا معه، وادعائهم بأنه يتكلم ببساطة وبكل عفوية وأنه ابن الشعب، ويجب معالجة الأمر بالعقل وليس بالعاطفة؛ حيث كل منا له حرية التفكير والتعبير والتحليل. 
نعم، لكن وجَب إعمال التفكير المنطقي السليم للنهوض بمحتوى “الويب” وليس بنشر التفاهة لجلب وحصد أكبر عدد من المشاهدات. لا يمكننا الادعاء بأن مثل هؤلاء الأشخاص مشهورون، بل هي شهرة مؤقتة كسحابة عابرة، تثير ضجة الرأي العام، إلى حين تأتي ظاهرة جديدة ويُعاد تكرار نفس السيناريو.. 
في هذا الصدد، يبرز إشكال يطرح نفسه بقوة : لماذا تتفاعل فئة كبيرة من الناس مع هذه الظواهر ؟ 
جوابا على السؤال، يمكن القول إن أغلبية المستعمِلين لهذه المواقع الاجتماعية وغيرها يتّسِمون بصفة حب الاستطلاع؛ هناك فئة تطّلع على المستجدات والمواضيع الهادفة لتحسين منتوج الويب، والفئة الأخرى المتناولة لموضوع اليوم تستهدف أي شيء إلا المنفعة، تستهلك المواضيع التي تثير ضجة في الإعلام ويفضلون مواكبتها ومتابعتها للاطلاع على المزيد، دون وعيهم بأن هذا السلوك يؤثر سلبا على انحطاط مستوى الويب، باعتبارهم آنذاك حققوا نصيبهم من امتلاك المعلومة، يا له من عبث!! منذ متى أصبح الحصول على المعلومة مرتبطاً بالفضول والتفاهة التي لا تليق بمستوانا؟ 
هنا، يتجلى دور الإعلام المحوري في النهوض بالفضاء الرقمي، إذ من واجبه تشجيعُ الشباب ورواد المحتوى الهادف وإعطائهم فرص لإبراز إبداعاتهم، بدلا من جعل الحمقى مشاهير واستبعاد كل ما له علاقة بالشهرة الزائلة بهدف زيادة المتابعات والمشاهدات. يجب، كذلك، الارتقاء بالإعلام إلى مرتبة النخبة. 
لا أجد ختاماً يليقُ بحجم الموضوع سوى مقولة الباحث السوسيولوجي “فؤاد بلمير”، حين صرّح بها في برنامج تلفزي: ” نحن نؤسس لهندسة الجهل بنشرنا لنماذج تافهة على مواقع التواصل الاجتماعي”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *