بحث عن جواهر الأطلس المفقودة

تشهد الكرة المغربية، في السنوات الأخيرة، ركوداً على مستوى بروز المواهب الصغيرة، كما أن التجارب السابقة أو العناصر الشابة التي لمعت لمْ تَلْقَ ذلك النجاح الذي كان مأمولا سواء من طرف الجمهور أو المسؤولين على شؤون الكرة ليَنطفئ نجمُها قبل الأوان. 
تتعدد الأسباب وراء هذا التراجع، لكن اليقين الثابت هو أن التكوين لم يعد يُعطِ الثمار نفسها، كما كان الحال عليه في السنوات السابقة؛ بدليل أن “أكاديمية محمد السادس لكرة القدم” التي افتتحت أبوابها بمدينة سلا سنة 2009 وخُصّص لها غلاف مادي كبير من أجل أن تأتي بحلول عمَلية لهذه الوضعية، لم تمنح المغرب سوى 3 أسماء فقط، ينشطون في الدوريات الأوروبية ويحملون الصفة الدولية، في حين أن بقية الخرّيجين من الأكاديمية لم يستطيعوا تثبيت أقدامهم في البطولة أو طبَع الفشل فترات المعايشة التي قضوْها في الدوريات الأوروبية، وبالتالي عادت تلك الأسماء للملاعب المغربية لتتأرجح بين فِرق متوسطة المستوى. 
عندما يخرج المسؤول عن هذا الورش ليهلّل لهذه الحصيلة الضعيفة، واصفاً إياها بـ”الإنجاز المهم”، فهذا أمر مثير للاستفهام؛ خصوصا وأن هذه الخرجة الإعلامية جاءت بعد أيام من الإنجاز الكبير الذي حققته الكرة القطرية بعد نيلها لقب كأس آسيا 2019 بمنتخب تكوّن غالبيته من لاعبي أكاديمية “آسْباير”، التي ذاع صيتُها بفضل العمل الكبير الذي تقدمه؛ حيث تتوفر على “كوادر” تقنية ذوي كفاءة عالية وتجهيزات وملاعب على أعلى مستوى، هذا بالإضافة لمستوى الدوريات الودية التي تنظمها سنويا قصد الاحتكاك بأقوى الفرق العالمية الكبرى، ما أثمرَ حيازة اللقب الآسيوي كتحصيل حاصل لسنوات من المثابرة، حسب الخبراء والصحافة المتخصصة. 
بعد وضعية الأكاديمية، هناك سبب ثانٍ يفسر افتقار الملاعب المغربية للجواهر الشابة، وهو اندثار “ملاعب الأحياء” التي كانت بالأمس المزوّد الرئيس لفرق المدينة حيث تم تعويضها اليوم بأحياء سكنية أو ملاعب قرب ذات أرضية اصطناعية وتجهيزات مؤدى عنها لا ترقى لتطلعات أبناء المنطقة. حيث إنّ ذلك يستنزف جيوب أبناء الشعب، بيد أن الهدف من مشروع ملاعب القرب كان استفادة كل الفئات من هذه الملاعب. كما أن غياب المُنقِّبين المكلفين بجلب الجواهر الشابة للفرق الكبرى بتكلفة مادية في المتناول لم يعد هناك تواصل معها وتم تهميش هؤلاء، إذ صارت غالبية الفرق تعتمد على ما يقدمه لهم وكلاء اللاعبين من أشرطة فيديوهات في سيناريو يستفيد منه الطرفين ويطرح علامة استفهام على جودة هذه العملية التي تثقل كاهل ميزانية الفرق المغربية. 
سبب ثالث يبدو وجيهاً في هذا الصدد، ألا هو التّغييب غير المبرر لدوْر مراكز التكوين داخل الفرق الوطنية؛ ولعل أبرز مثال للحالة المزرية التي تعيشها مراكز التكوين في المغرب هو إغلاق مركز التكوين الخاص بفريق الرجاء الرياضي -الذي كان شاهدا على تفوق أبناء الفريق بأعمار صغيرة و صاروا أعمدة للفريق الأول متشبعين بهوية الفريق المتمثلة في جمالية الأداء والتمريرات القصيرة لسنوات طويلة وهنا نذكر أسماء نسور خالدة مثل حميد ناطر، مروان زمامة، سفيان علودي.. وآخرين- ما أدى بالفريق لنهج سياسة الانتدابات بأموال طائلة كانت سببا رئيسا في الأزمة التي يعيشها الفريق، حالياً، بدل الاستثمار في الفئات الصغرى للفريق الأخضر. 
يبدو أن جامعة الكرة قد استوعبتِ الدرس مؤخراً -بعد أن شاهد مسؤولوها خلال تنقلاتهم الخارجية نجاح تجارب دول آمَنتْ بفكرة التكوين- لتبادرَ هي الأخرى إلى تشجيع الفرق على الاستثمار في التكوين والاهتمام بالفئات الصغرى عبر قيامها بتسهيلاتٍ في هذا الخصوص. غير أن الوضع لم يتغيّر كثيرا نظراً لأسباب خارج مجال تدخّل الاتحاد المغربي للكرة؛ كخوف بعض المدربين المشرفين على الفرق المزاولة في الدوري الإحترافي مثلا من فسح المجال أمام اللاعبين الشباب للعب مع الفريق الأول نظرا لافتقادهم للتجربة، وبالتالي تجنب السقوط في هفوات قاتلة قد تؤدي بمستقبل المدرب، كما أن هناك أيضا فرق شاسع بين القدرات الحالية للاعب الشاب اليوم وما كان عليه الحال بالأمس، ليس على مستوى البناء المورفولوجي أو القدرات الفنية فحسب، وإنما كذلك على مستوى بعض الجزئيات البسيطة داخل و خارج الملعب والتي سارت بطبيعة الحال تحكم واقع الكرة الحديثة، كحسن التصرف و تحسين المستوى الثقافي للاعب. الأمر الذي ينعكس على أداء اللاعب و مستقبله.. 
كل ما سبق، وأشياء أخرى، بات يفتقد لها أغلب اللاعبين الشباب أو بالأحرى يغيب دور المؤطر المتمثل في مساعدة هؤلاء اللاعبين خلال لحظات حاسمة من مسارهم الكروي. 
نصل لنهاية هذا المقال الذي جرَدنا من خلاله أسبابا رئيسة تعيق تطور الكرة المغربية و لنا أمل كبير في مستقبل مشرق بعيدا عن إملاءاتٍ تخدم المصالح الشخصية، وحسابات ضيقة قد تضيّع علينا، كما حدث في الماضي، فرصة مشاهدة جواهر مغربية شابة تنطلق من النوادي المحلية لتنال شرف حَمْل قميص الفريق الوطني وتكسرَ بذلك إنجاز هاشم مستور كأصغر لاعب في المنتخب المغربي؛ الموهبة التي صنعها “اليوتوب” لفَظَها “السان السيرو” وضاعت بين شوارع أثينا!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *